تحليل: المنصب تكليف وليس أداة للاستعباد
يرى الكاتب أن السلطة المشتقة تتحول إلى ألوهية مصغرة عند نسيان أصلها، مما يستدعي آليات مساءلة.
أوضح الدكتور نوّاف علي الطوري في مقال رأي حر أنّ المنصب السياسي أو الإداري يُفترض نظرياً أن يكون أداة لتحقيق المصلحة العامة، لكن الممارسة الواقعية تكشف انقلاباً صامتاً في هذه العلاقة. وأشار إلى أنّ الكثيرين يبدأون خدّاماً للوظيفة ثم تنقلب لتصبح الوظيفة خادمةً لهم، وهو ما أسماه ظاهرة الألوهية المصغَّرة التي تجعل صاحب النفوذ يتصرف بمنطق من لا يُسأل عمّا يفعل داخل دائرته.
وأكد الكاتب أنّ التصوّر الإسلامي يقوم على مفارقة دقيقة ترى الإنسان مستخلَفاً في الأرض يملك القدرة على التصرف دون امتلاك أصل الملكية، إذ إنّ وجود النائب يفترض أصيلاً يُرجَع إليه. وحذّر من أنّ نسيان هذا الأصل يؤدي إلى خطأ معرفي يعامل السلطة المشتقّة كأنّها أصلية، مشيراً إلى وصف القرآن للإنسان بأنه ظلوم جهول كإشارة إلى الخطر البنيوي لانقلاب القدرة على حاملها.
وبيّن الطوري أنّ السلطة تعمل في الإدراك قبل الواقع، حيث يفقد المطاع قدرته على التمييز بين صواب رأيه والإذعان له، فتتحول الحاشية إلى مرآة تعكس ما يُرضي فقط. واستشهد بوصف القرآن لفرعون الذي استخف قومه فأطاعوه، مؤكداً أنّ المستبد لا يصنع نفسه بل تصنعه بيئة التذلل، لافتاً إلى تقاطع هذه الرؤية مع تحليلات الكواكبي وابن خلدون حول نزعة الملك للانفراد بالمجد المشترك.
ودعا المقال إلى اعتبار التوحيد مبدأ أخلاقياً وسياسياً يسقط حق أي سلطة بشرية في الإطلاق، مستذكراً سؤال عمر بن الخطاب عن استعباد الناس الأحرار. واختتم بأنّ الفضيلة الفردية تحتاج لبنية مؤسسية تحميها عبر الشورى والنقد، لأنّ النفس تضعف أمام سلطة لا تراقب، مؤكداً أنّ السؤال الجوهري ليس عما يستطيع الحاكم فعله بل بأي حق وأمام من ولأجل من يمارس سلطته.


