عاجل
داخل
مقالات وآراء

مقالٌ لفداء مرعي عبد الهادي يفرّق بين المرافقة والتبنّي في ملفّ الأطفال فاقدي الإطار العائلي: خمسةٌ وخمسون متطوّعاً وثلاث عائلاتٍ من المجتمع العربي حتى اليوم، وأطفالٌ بين الثالثة والثامنة عشرة في المؤسّسات الداخلية

تكتب فداء مرعي عبد الهادي، مركّزة المجتمع العربي في ملفّ الأطفال فاقدي الإطار العائلي، مقالاً يقابل بين ما يقوله المجتمع العربي عن نفسه في باب التكافل وبين واقع عشراتٍ من الأطفال والفتية بين الثالثة والثامنة عشرة يقيمون في مؤسّساتٍ داخلية وملاجئ طوارئ بعد إهمالٍ أو هجرٍ أو ظروفٍ أسرية ونفسية حالت دون بقائهم في أسرهم. وتقول إنّ المؤسّسة الداخلية، مهما بلغت كفاءتُها، تبقى إطاراً رسمياً بساعات دوامٍ ووظائف متبدّلة وقانونٍ ينهي الرعاية عند سنّ الثامنة عشرة. ومن هنا تعرض مشروع «المرافقة العائلية والفردية»، وتشدّد على أنّه ليس تبنّياً ولا يلغي الأهل البيولوجيين ولا يمنح وصايةً قانونية. وتذكر أنّ المشروع يضمّ اليوم خمسةً وخمسين متطوّعاً ومتطوّعة وثلاث عائلاتٍ مرافقة من المجتمع العربي.

3 دقائق قراءة
تكتب فداء مرعي عبد الهادي، مركّزة المجتمع العربي في ملفّ الأطفال فاقدي الإطار العائلي، مقالاً يقابل بين ما يقو

الشعار في مواجهة الواقع

تبدأ الكاتبة من عبارةٍ يعتزّ بها المجتمع العربي في البلاد: البيتُ المفتوح بوصفه عنوان أصالته وقيمَ التكافل التي يفاخر بها. ثمّ تطلب أن يُنظر إلى الصورة من دون تجميلٍ ولا شعارات، فيظهر ما يقيم خلفها: عشراتٌ من الأطفال والفتية، تتراوح أعمارهم بين الثالثة والثامنة عشرة، يقيمون في مؤسّساتٍ داخلية وفي ملاجئ طوارئ. وقد بلغوا هذه الأطر بعد تجارب عائلية قاسية — إهمالٌ أو هجرٌ أو ظروفٌ أسرية ونفسية صعبة — حرمتهم البقاء في أسرهم البيولوجية.

لماذا لا تكفي المؤسّسة الداخلية

لا تعترض الكاتبة على المؤسّسة الداخلية ولا تشكّك في كفاءة طواقمها، لكنّها تصفها بما هي: إطارٌ رسمي. والإطارُ الرسمي محكومٌ بثلاثة حدود تعدّدها — طاقمٌ يعمل ضمن ساعات دوامٍ محدّدة، ووظائف تتبدّل فيتبدّل معها الوجه الذي اعتاده الطفل، وقانونٌ ينهي الرعاية بمجرّد بلوغه الثامنة عشرة. وفي مقابل هذه الحدود تضع ما يحتاجه الطفل فعلاً: لا سقفاً وسريراً وغرفة فحسب، بل انتماءً، وشخصاً يسأل عنه في آخر اليوم أو آخر الأسبوع، ويشاركه فرحة العيد، ويتذكّر يوم مولده.

ما هي المرافقة — وما ليست

من هذا الفراغ تعرّف الكاتبة مشروع «المرافقة العائلية والفردية»: علاقةٌ شخصية آمنة وثابتة تُبنى في حياة الطفل. ثمّ تسارع إلى نفي ثلاثة أمور قد تُفهم منه خطأً: فالمرافقة ليست تبنّياً، ولا تلغي دور الأهل البيولوجيين، ولا تمنح وصايةً قانونية ولا تصرّفاً بالأملاك. وما تبقى بعد هذا النفي هو جوهرُها عندها: سندٌ إنساني، ووجودٌ دائم في حياة طفلٍ يحتاج أن يعرف أنّه مهمٌّ عند أحدٍ ما. وهذا التمييز ليس تفصيلاً إجرائياً، لأنّ الخلط بين المرافقة والتبنّي هو أوّل ما يصرف العائلات عن التطوّع.

الأرقام: خمسةٌ وخمسون وثلاث

تنتقل الكاتبة بعد ذلك إلى ما تحقّق فعلاً في المشروع الذي تعمل فيه: خمسةٌ وخمسون متطوّعاً ومتطوّعة، وثلاث عائلاتٍ مرافقة، وجميعهم من المجتمع العربي. وتقرأ هذا المجموع بوصفه ثماني وخمسين قصّة تغييرٍ لا مجرّد خانةٍ في جدول. غير أنّها لا تقف عند الرقم بل تقيسه بما يقابله: الاحتياج في المجتمع العربي، كما تقول، أكبر من ذلك بكثير. والمسافةُ بين ما تحقّق وما هو مطلوب هي موضوع المقال كلّه.

التزامٌ طويل، وسؤالٌ خفيّ عند الطفل

تحذّر الكاتبة من أن تُقرأ المرافقة بوصفها عملاً تطوّعياً عابراً، فهي عندها تتطلّب نضجاً وصبراً والتزاماً يمتدّ طويلاً. والسبب في ذلك يعود إلى الطفل نفسه: من اختبر الخذلان قد يختبر حدود العلاقة في بدايتها، وسؤاله الخفيّ الذي لا يُنطق هو ما إذا كان المرافق الجديد سيتركه هو أيضاً في يومٍ ما. ولمواجهة ذلك، تقول الكاتبة، يُرافَق المتطوّعون والعائلات خطوةً خطوة: مقابلةٌ معمّقة، وملاءمةٌ مدروسة، وإرشادٌ مهني متواصل يساعد على فهم سلوك الطفل ورؤية الخوف الكامن خلفه، بدعمٍ من وزارة الرفاه والأمن المجتمعي.

النداء: ما لا يُمحى وما يمكن أن يُمنَح

تختم الكاتبة بتحديد ما تستطيعه الجمعية التي تعمل فيها — «أطفال في فرص الحياة»، العاملة ضمن إطار وزارة الرفاه والأمن المجتمعي — وما لا تستطيعه. فهي لا تملك محو الماضي القاسي الذي عاشه هؤلاء الأطفال ولا استبدال أسرهم البيولوجية، لكنّها تملك أن تمنحهم حاضراً مختلفاً ومستقبلاً أكثر أماناً. وتصف فتح البيوت لهؤلاء الأطفال — ولو في نهايات أسبوعٍ معدودة أو لقاءٍ أسبوعي منتظم — بأنّه أرفع صور التكافل. ثمّ توجّه نداءها إلى العائلات والمتطوّعين للانضمام، على قاعدة أنّ مجتمعاً يعطي يستطيع أن يعطي أكثر.