عاجل
داخل
مقالات وآراء

مصطلحُ «الأسلمة» يُقدَّم تحذيراً لا وصفاً لتحوّلٍ اجتماعي

يتتبّع المقال مصطلحاً يتكرّر في الكتابة الأكاديمية والإعلامية والسياسية — أسلمة المجتمع، وأسلمة الدولة، وأسلمة التعليم، وأسلمة الحيّز العامّ — فيلاحظ أنّه نادراً ما يرد وصفاً محايداً لتحوّلٍ اجتماعي، وأنّه يحمل في الغالب نبرة تحذير. ومأخذُه أنّ الكلمة توحي بأنّ الإسلام عنصرٌ غريب يُدخَل إلى مجتمعٍ لم يكن فيه، مع أنّه حاضرٌ في حياة شعوب المنطقة منذ نحو خمسة عشر قرناً. ويفرّق بين استعمالٍ ذاتيّ تبنّاه أصحاب مشروع «أسلمة المعرفة» لأنفسهم، واستعمالٍ خارجيّ يصف به الباحث حركةً لم تصف نفسها به قطّ. وينتهي إلى سؤالٍ عن ازدواج المعيار: لماذا يثير تعزيز حضور الإسلام تحذيراً لا يثيره تعاظم نفوذ التيارات الدينية اليهودية.

3 دقائق قراءة
يتتبّع المقال مصطلحاً يتكرّر في الكتابة الأكاديمية والإعلامية والسياسية — أسلمة المجتمع، وأسلمة الدولة، وأسلمة

أين يرد المصطلح، وبأيّ نبرة

ينطلق المقال من ملاحظةٍ على الاستعمال: مصطلح «الأسلمة» يتكرّر في الكتابات الأكاديمية والإعلامية والسياسية، فيُقال أسلمة المجتمع، وأسلمة الدولة، وأسلمة التعليم، وأسلمة الحيّز العامّ، بل تُقال أسلمة القضية الفلسطينية. وفي أكثر هذه المواضع لا تبدو الكلمة توصيفاً لتحوّلٍ اجتماعي أو فكري، بل تحمل معنى نقدياً أو تحذيرياً، وكأنّ ما يجري إدخالُ الإسلام إلى مجالٍ لم يكن حاضراً فيه أصلاً. وهذا هو مأخذ الكاتب الأوّل: الإيحاء بغربة الإسلام عن مجتمعٍ ظلّ حاضراً في حياته نحو خمسة عشر قرناً، وإن تفاوتت قوّة الحضور بين مرحلةٍ وأخرى.

المعنى اللغوي وأصل الكلمة

من الناحية اللغوية، معنى «الأسلمة» إضفاء الطابع الإسلامي على شيءٍ ما، ويقابلها في الأدبيات الأجنبية لفظ Islamization. وقد اتّسع استعمالها حتى شمل بابين: باباً تاريخياً موضوعه انتشار الإسلام ودخولُ مجتمعاتٍ فيه، وباباً معاصراً موضوعه تقوية موقع المرجعية الإسلامية في حقولٍ بعينها — التعليم أوّلاً، ثمّ المعرفة والقانون والسياسة وشؤون المعاملات وما إليها من مجالات الحياة العامّة. أي إنّ الكلمة الواحدة تُحمَّل معنيَين متباعدَين: دخولُ دينٍ إلى مجتمعٍ لم يكن يدين به، وتعزيزُ حضور مرجعيةٍ في مجتمعٍ يدين بها منذ قرون.

استعمالٌ يختاره أصحابه، واستعمالٌ يفرضه الواصف

يميّز المقال بين استعمالَين. الأوّل ذاتيّ تبنّته مشاريع إسلامية فعلاً، وأشهر أمثلته مشروع «أسلمة المعرفة» الذي برز منظَّماً في العقود الأخيرة من القرن العشرين؛ فالكلمة هنا اختيارُ أصحاب المشروع لا تهمةُ خصومهم. وقد ناقش عالم الاجتماع ساري حنفي هذا المشروع نقدياً في دراسته عن أسلمة العلوم الاجتماعية وتأصيلها، فأخذ عليه اختزال العلوم الاجتماعية ومحاولة إقامة علمٍ إسلامي في مواجهة علمٍ غربيّ وكأنّ الأخير كتلةٌ متجانسة، وفضّل مفاهيم التوطين والتبيئة والتكامل المعرفي، من غير أن يرفض حضور المرجعية الإسلامية أو الإفادة من الموروث. أمّا الاستعمال الثاني فخارجيّ، كما في الحديث عن أسلمة المجتمع أو الحيّز العامّ، حيث يعيد الباحث تعريف ما تفعله جماعةٌ لم تصف مشروعها بهذه اللغة قطّ.

كيف تصف الحركات نفسها

يعرض المقال المفارقة في مثالٍ قريب: تعزيزُ الهوية الإسلامية وبناءُ المساجد والمؤسّسات وتنظيمُ النشاط الدعوي والتربوي بين الفلسطينيين في الداخل يُوصَف في بعض الدراسات بأنّه أسهم في موجة أسلمة، فيما لا يستوقف أحداً الحديثُ عن علمنة القضية الفلسطينية أو قومنتها، مع أنّ تياراتٍ أخرى صاغت القضية وفق مرجعياتها هي أيضاً. والحركات الإسلامية الحديثة، في المقابل، لم تنطلق غالباً من تصوّر أنّها تحوّل مجتمعاتٍ غير مسلمة، بل تحدّثت عن الدعوة والإصلاح والإحياء والصحوة، وبعضُها عن استئناف الحياة الإسلامية، مستندةً إلى قراءةٍ ترى أنّ سقوط الخلافة العثمانية سنة 1924 رافقه تراجعُ حضور الإسلام في مجالاتٍ من الحياة العامّة، وأنّ المطلوب استعادةُ ذلك الحضور لا إدخالُ دينٍ جديد.

ازدواجُ المعيار الذي ينتهي إليه

يستشهد المقال بالكاتب حلمي الأسمر الذي ذهب أبعد، فعنده أنّ الكلمة صارت في بعض الخطاب الإعلامي والسياسي تهمةً تُشيطَن بها الحركات الإسلامية. ولفت إلى التفاوت في التعامل مع حضور الدين في السياسة: الحديثُ عن أسلمة الدولة أو المجتمع يثير مخاوف واسعة، أمّا صعودُ نفوذ تياراتٍ دينية يهودية، وسعيُها إلى تمكين الشريعة اليهودية من الدولة ومن المجال العامّ، فلا ينال قدراً مماثلاً من التحذير. وخلاصة الكاتب أنّ المشكلة ليست في الكلمة ذاتها — فقد يتبنّاها أصحاب مشروعٍ بعينه — بل في تحوّلها إلى توصيفٍ خارجيّ واسع محمّلٍ بدلالةٍ سلبية، حتى يصير كلّ تعزيزٍ لحضور الإسلام أسلمةً بالضرورة.