عاجل
داخل
مقالات وآراء

من عشرة مقاعد عام 1999 إلى مقاطعةٍ بثمانين في المئة عام 2001

نشر موقع «الجرمق» مقالاً بلا توقيع يراجع حصيلةَ مشاركة الأحزاب العربية في الانتخابات الإسرائيلية منذ عام ألفٍ وتسعمئة وتسعةٍ وتسعين. ويبدأ من تلك الانتخابات التي فاز فيها إيهود باراك على بنيامين نتنياهو، وخاضتها ثلاث قوائم عربية — الجبهة والموحّدة والتجمّع — فنالت مجتمعةً عشرة مقاعد. ويرى الكاتب أنّ شيئاً ممّا رُفع من مطالب في تلك الحملة لم يتحقّق خلال عمر تلك الحكومة الذي لم يبلغ ثلاث سنوات، ويعدّد منها السلام والمواطنة الكاملة وإنقاذ الأوقاف والحقّ في المسكن ووقف الاستيطان وهدم البيوت. ويتوقّف عند هبّة القدس والأقصى التي أعقبت اقتحام أريئيل شارون للمسجد بإذنٍ من باراك، وسقوط ثلاثة عشر شهيداً في عهد حكومةٍ وُصفت باليسارية وكان وزير أمنها الداخلي شلومو بن عامي. ثمّ عند مقاطعة انتخابات رئاسة الحكومة عام ألفين وواحد، حين قاطع نحو ثمانين في المئة، فسقط باراك وفاز شارون. ويخلص إلى أنّ المطالب انكمشت مع الوقت حتّى استقرّت عند ملفٍّ واحد هو العنف والجريمة المنظّمة.

3 دقائق قراءة
نشر موقع «الجرمق» مقالاً بلا توقيع يراجع حصيلةَ مشاركة الأحزاب العربية في الانتخابات الإسرائيلية منذ عام ألفٍ

نقطةُ البدء: عشرةُ مقاعد وحكومةٌ لم تُكمل ثلاث سنوات

يختار الكاتب مدخلاً تاريخياً محدّداً لا عامّاً: انتخابات عام ألفٍ وتسعمئة وتسعةٍ وتسعين، حين خاضتها ثلاث قوائم عربية متفرّقة هي الجبهة والموحّدة والتجمّع، فحصدت مجتمعةً عشرة مقاعد، وفاز فيها إيهود باراك على بنيامين نتنياهو. ويقيس على هذه المحطّة ما يليها كلَّه. فالحكومة التي تشكّلت لم يبلغ عمرها ثلاث سنوات، ويقول الكاتب إنّ النوّاب العرب لم يحقّقوا خلالها شيئاً ممّا رفعوه من عناوين. ويعدّد تلك العناوين تعداداً طويلاً مقصوداً: السلام الشامل والعادل، والمواطنة الكاملة، وإنقاذ الأوقاف الإسلامية والمسيحية، والحقّ في المسكن، والأمن للفلسطيني في الداخل، ووقف الاستيطان، ووقف هدم البيوت ومصادرة الأرض، وتوسيع مناطق النفوذ في البلدات العربية، ومواجهة العنصرية، وتحسين التعليم. والغرض من إيراد القائمة كاملةً هو المقابلة بينها وبين ما آلت إليه لاحقاً.

الهبّة كمحكٍّ لا كذكرى

المحكّ الذي يقيس به الكاتب صدقيّة التصنيفات السياسية هو هبّة القدس والأقصى. فبعد سنةٍ ونصف من تشكيل حكومة باراك — الذي كانت الأحزاب العربية تراه، بحسب المقال، يسارياً وأخفّ الضررين وأقلّ سوءاً من نتنياهو — اقتحم أريئيل شارون، وكان رئيساً للمعارضة، المسجدَ الأقصى بإذنٍ من رئيس الحكومة نفسه. فانفجرت الانتفاضة الثانية، وخرج الفلسطينيون في الداخل غاضبين، فسقط منهم ثلاثة عشر شهيداً. ويسمّي الكاتب وزير الأمن الداخلي في تلك الحكومة شلومو بن عامي، ويسوقه مع باراك مثالاً على أنّ التصنيف اليساريّ لم يمنع سفك الدم. وهذا هو بيت القصيد عنده: أنّ الرهان على أخفّ الضررين سقط عملياً في أوّل اختبارٍ حقيقيّ له، لا في نقاشٍ نظريّ عنه.

مقاطعةٌ عقابية أنتجت درساً لم يُلتقط

يروي المقال ما تلا ذلك: قرارُ مقاطعة انتخابات رئاسة الحكومة عام ألفين وواحد، التي تنافس فيها باراك وشارون، عقاباً لباراك على ما جرى. ويسجّل بدقّة أنّ المقاطعة لم تكن مبدئية بل عقابية — أي ظرفية لا موقفاً ثابتاً. وكانت النتيجة أن قاطع نحو ثمانين في المئة من المصوّتين، فسقط باراك وفاز شارون، وهو الذي كان اقتحامه للأقصى بإذنٍ من باراك سبباً في سفك الدم. ويستخرج الكاتب من هذه المفارقة درسه: أنّ في الأداة قوّةً فعلية، وأنّ الإنجاز ممكنٌ من خارج الكنيست بأدواتٍ كثيرة ليست المقاطعة إلّا واحدةً منها. لكنّه يقرن الاستطاعة بشرطين لا يراهما متوفّرين: إرادةٌ تحرّكها، ثمّ قرارٌ ينفّذ الإرادة.

محطّاتٌ مرّت ولم تُغيّر شيئاً

لاختبار أطروحته يسرد الكاتب سلسلةً من المحطّات التي يرى أنّ كلّاً منها كان كافياً وحده لمراجعة الخيار: هبّة القدس والأقصى، ثمّ حرب حكومة أولمرت على غزّة في عامي ألفين وثمانية وألفين وتسعة، ثمّ حربا نتنياهو عليها في ألفين واثني عشر وألفين وأربعة عشر، ثمّ حظر الحركة الإسلامية عام ألفين وخمسة عشر، ثمّ حرب حكومة بينيت ولبيد عام ألفين وواحدٍ وعشرين، ثمّ قانون القومية. ويرى أنّ شيئاً من ذلك لم يُترجم إلى قرار، ويفسّر ذلك تفسيراً واحداً: أنّ من يُفترض بهم اتّخاذه غير معنيّين به. ثمّ يضيف محطّةً أحدث، هي ما يسمّيه زلزال غزّة، ويقول إنّه لم يُخرج منهم غير كلامٍ لم يتبدّل نصّه منذ عقود. ويسأل سؤالاً استشرافياً: بأيّ وجهٍ سيواجهون جمهورهم إن تكرّر المشهد في الضفة؟

مطالبُ تنكمش حتّى تصير ملفّاً واحداً

خلاصةُ المقال أنّ ما جرى مع الوقت ليس إخفاقاً في تحقيق المطالب فحسب، بل انكماشٌ في المطالب نفسها. فمع تعاقب الدورات الانتخابية تبدّدت العناوين الكبرى واحداً بعد آخر: غاب كلُّ ما يتّصل بالضفة، فلا حديث عن دولةٍ ولا عن شبه دولةٍ شرطاً للتوصية أو للدخول في ائتلاف، ولا عن وقف الاستيطان بوصفه خطّاً أحمر. حتّى استقرّ الأمر — بتعبير المقال — عند قضيّةٍ واحدة هي العنف والجريمة المنظّمة. ويختم بمثلٍ رمزيّ: فرخُ نسرٍ سقطت بيضته في قنّ دجاج فنشأ بينها يأكل ويمشي ويتصرّف مثلها، حتّى استقرّ في نفسه أنّه دجاجة، فلمّا رأى النسور محلّقةً قيل له إنّك تحلم. فعاش دجاجةً ومات دجاجةً يوم قبِل التعايش مع الواقع بدل أن ينظر في نفسه ليعرف إلى من ينتمي. وهذا كلّه رأيُ كاتبه، والمادّة بلا توقيع، وحقلُ التصنيف فيها كلمةٌ واحدة: مقالات.