عاجل
داخل
مقالات وآراء

مقالٌ يردّ سؤال المرجعية إلى أصله: لجنة المتابعة لا تستمدّ قوّتها من اسمها بل من مركّباتها، وميثاق الشرف لا قيمة له عند التوقيع بل عند الالتزام

يعالج مقالٌ منشور مسألتين تتردّدان كلّما احتدم الخلاف بين الأحزاب العربية في الداخل: هل تصلح لجنة المتابعة العليا مرجعيةً وطنية لفضّ هذه الخلافات، وهل يكفي ميثاق شرفٍ توقّع عليه القوى السياسية لضبط الخطاب بينها. وجوابه عن الأولى أنّ اللجنة أُنشئت إطاراً جامعاً لا محكمةً للخصومات، وأنّ دورها التمثيلي يمنحها أولويةً في المعالجة لا احتكاراً لها. وجوابه عن الثانية أنّ الميثاق نصٌّ لا يضمن بذاته شيئاً، وأنّ قيمته في القناعة به وتحويله إلى ممارسة. ويردّ المقال الأمرين معاً إلى شرطٍ واحد سابقٍ عليهما: حال القوى الحزبية نفسها وسلوك قياداتها.

3 دقائق قراءة
يعالج مقالٌ منشور مسألتين تتردّدان كلّما احتدم الخلاف بين الأحزاب العربية في الداخل: هل تصلح لجنة المتابعة الع

من أيّ سؤالٍ يبدأ المقال: وظيفةُ الإطار قبل صلاحيته

ينطلق المقال من تذكيرٍ بالغرض الذي أُقيمت لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في الداخل الفلسطيني من أجله: أن تكون إطاراً يجمع مختلف المكوّنات، من أحزابٍ وحركاتٍ فاعلة، وأن تكون عنواناً جامعاً لما يتّصل بقضايا هذه الجماهير العامة وبآمالها وآلامها. ومن هذا الغرض يشتقّ الكاتب طريقة النظر في السؤال المطروح: فمسألةُ صلاحية اللجنة للبتّ في الخلافات الحزبية لا يمكن فصلها عن طبيعة الدور الذي وُجدت لأدائه. أي إنّ السؤال عن الصلاحية فرعٌ عن السؤال عن الوظيفة، لا العكس.

أولويةٌ لا احتكار: صيغةٌ وسطى بين المرجعية والاعتزال

ويرفض المقال الجوابين الحدّيين معاً. فهو لا يقرّر أنّ اللجنة هي المرجعية الملزمة في هذا الباب، ولا يقرّر أنّها بمنأى عنه. بل يذهب إلى أنّها قد تكون مرجعيةً وقد لا تكون، غير أنّها تمثّل فلسطينيي الداخل باختلاف انتماءاتهم، وهذا الدور المحوري يمنحها أولويةً في الإسهام بحلّ الأزمات ومعالجة ما يظهر من إشكالات. ويقيّد ذلك فوراً بأنّ هذه الأولوية لا تعني حصر المهمّة بها، ولا منع أطرافٍ أخرى من المبادرة إلى معالجة خلافاتٍ هي من طبيعة العمل السياسي والحزبي نفسه.

المعادلة التي يقوم عليها المقال: الإطارُ بقدر مركّباته

وأصلبُ ما في المقال معادلةٌ يصوغها في جملةٍ واحدة: قوّة لجنة المتابعة مرتبطةٌ بقوّة مركّباتها، وضعفها يعكس في جانبٍ منه ضعف هذه المركّبات. ويسوق عليها شاهداً من الممارسة لا من النظر: أنّ الأحزاب ومركّبات المتابعة تبدو في حالاتٍ معيّنة أقدر على إنجاح فعالياتها الحزبية الخاصة منها على إنجاح الفعاليات العامة التي تنظّمها اللجنة. وهذه ملاحظةٌ تنقل النقاش من الشكوى من ضعف الإطار إلى سؤالٍ عن العلاقة بين العمل الحزبي والعمل الوطني الجامع.

ما يسبق الهياكل: الثقة وطبيعةُ من يُختار للقيادة

ويترتّب على تلك المعادلة أنّ تعزيز دور المتابعة لا يتحقّق بتعديل الهياكل والآليات وحدها. فالمقال يضع قبل ذلك شرطاً آخر: استعادة الثقة بالقيادات الحركية والحزبية، واختيار قياداتٍ صادقةٍ مخلصة تحمل همّ المجتمع وتقود نحو مصالح فلسطينيي الداخل وطموحاتهم. والصلة عنده طردية: كلّما كانت هذه القيادات أقدر على تقديم المصلحة العامة، ازدادت لجنة المتابعة فاعليةً وتأثيراً. أي إنّ إصلاح الإطار يمرّ عبر إصلاح مكوّناته، لا عبر إعادة ترتيبه من فوق.

ميثاق الشرف: نصٌّ لا يضبط ما لا يُضبط

أمّا فكرة التوافق على ميثاق شرفٍ وطني تلتزم به الأحزاب والحركات، فيردّها المقال إلى ثقافة العمل السياسي وإلى قدرة الأحزاب على تثقيف نشطائها وكوادرها وأنصارها على احترام الاختلاف والابتعاد عن المناكفات والتراشقات. ثمّ يضع للميثاق حدّاً واقعياً: هو وحده لا يستطيع ضمان الهدوء الكامل، خصوصاً مع اتّساع منصّات التواصل والإعلام الإلكتروني، فما يُكتب فيها ويُقال يعصى على الضبط، وإثارةُ الفتن لا تُمنع منعاً تامّاً، سواء جرت بأسماءٍ مستعارة أو بأسماء معلنة.

من رأس الهرم يبدأ: الالتزام سلوكاً لا توقيعاً

ولذلك ينقل المقال ثقل المسؤولية إلى قادة الأحزاب والحركات، على قاعدة أنّ الالتزام يبدأ من رأس الهرم: بممارسة سلوكٍ سياسي وأخلاقي إيجابي أمام الجمهور، وببثّ روح التسامح والاحترام المتبادل وسعة الصدر، وبالحفاظ على نظافة الخطاب واللسان والقلم رغم اختلاف الآراء وتنوّع الاجتهادات. ويختم بالخلاصة التي يدور عليها كلّه: المرجعية الوطنية لا تكتسب قوّتها بالاسم، وميثاق الشرف لا يكتسب قيمته بالتوقيع أمام الكاميرات، وإنّما بقوّة المؤسسات الحاملة له وبسلوك القوى الملتزمة به وبقدرتها على تقديم المصلحة العامة على الحسابات الحزبية.