خاطرةٌ تقلب قاعدة اختيار الصحبة: الأمان عند من عرف السعة ثمّ فقدها، لا عند من بلغها بعد حرمانٍ طويل
تعرض خاطرةٌ منشورة في باب «منبر العرب» ميزاناً لاختيار من نرافق ومن نأتمن، وتقيمه على تجربة الإنسان لا على حاله الراهنة. وتنطلق من شكوى زمنٍ ترى أنّ القشور فيه علت على الجواهر، وأنّ الوفاء والعرفان تراجعا أمام المصالح الضيّقة. ثمّ توسّع معنى الشبع فتخرجه من حدود البطن إلى امتلاء النفس بالمال والسلطة والجاه والمكانة. وخلاصتها أنّ من عاش حرماناً طويلاً ثمّ بلغ السعة فجأةً كثيراً ما يبدو خيره متكلَّفاً لأنّه لم ينبت في تربته الأصلية، فيعود إلى طباعه عند أوّل امتحان. أمّا من عرف النعمة ثمّ زالت عنه، أو ملك القوّة ثمّ ضعف، فقد ذاق الفقد وتعلّم التواضع بعد العلوّ، فصار الخير عنده سجيّةً صقلتها التجارب. وتنتهي إلى دعوةٍ صريحة: أن تكون الصحبة مع من جاع بعد شبع، وأن يُحذر من شبع بعد جوع.
المدخل: شكوى من زمنٍ علت فيه القشور
تبدأ الخاطرة من تشخيصٍ عامّ لحال الزمن قبل أن تصل إلى قاعدتها. فهي ترى أنّ الظاهر تقدّم على الجوهر، وأنّ معاني الوفاء والعرفان تلاشت تحت ضغط المصالح الذاتية الضيّقة، وأنّ الطعن من الخلف صار نمطاً مألوفاً والتعصّب عنواناً للانتماء. ومن هذا التشخيص تنتقل إلى سؤالها الحقيقي: إذا قلّ الصدق وبيعت الضمائر بأبخس الأثمان، فبأيّ ميزانٍ يُختار الرفيق؟
توسيع المعنى: الشبع ليس شبع البطن
وأوّل ما تفعله الخاطرة هو نقل الاستعارة من موضعها الحرفي. فالشبع عندها لا يقتصر على الطعام، بل يمتدّ إلى امتلاء النفس بكلّ ما يمكن أن تمتلئ به: الغنى، والسلطة، والجاه، والمكانة. وبهذا التوسيع يصير الميزان صالحاً للتطبيق على من ارتقى في المال كما على من ارتقى في الموقع، وتصبح القاعدة أوسع من مثلٍ شعبي عن الطعام.
الحجّة الأولى: خيرٌ دخيلٌ لم ينبت في تربته
ثمّ تعرض حجّتها في الشقّ التحذيري. فالنفس التي طال بها الحرمان ثمّ انتقلت فجأةً إلى السعة يظهر خيرها، في تقدير الخاطرة، متكلَّفاً غير صادرٍ عن جوهرها. وتشبّه صاحبها بمن يرتدي ثوباً ليس له فيبدو غريباً فيه، ولا يلبث أن يعود إلى طباعه عند أوّل اختبار. والعلّة في نظرها أنّ هذا الخير دخيلٌ لم ينبت في تربة النفس الأصلية، فهو معرَّضٌ للزوال لأنّه لم يتأصّل أصلاً.
الحجّة الثانية: من ذاق الفقد بعد النعمة
وفي المقابل تعرض الوجه الآخر. فمن عرف النعمة ثمّ حلّ به الفقر، أو ملك القوّة ثمّ ضعف، أو بلغ المكانة ثمّ سقط عنها، هو في تقديرها صاحب جوعٍ من نوعٍ مختلف: ليس جوع بدايةٍ لم يعرف غيرها، بل جوع خبرةٍ عرفت قيمة النعمة بعد زوالها. ومن هنا تستنتج أنّ التواضع عنده جاء بعد العلوّ، وأنّ وفاءه ثبت لأنّه اختبر نقيضه، فصار عطاؤه سجيّةً لا مظهراً.
الخلاصة: دعوةٌ إلى حكمةٍ في الاختيار
وتختم الخاطرة بما بدأت به: أنّ طبع الإنسان لا يصنعه غنىً ولا فقر، وإنّما تصنعه التجارب التي مرّت به وتركت أثرها في داخله. وعلى هذا تبني دعوتها الصريحة إلى مصاحبة من عرف السعة ثمّ فقدها، والحذر ممّن بلغها بعد حرمان، لأنّ خيره في تقديرها عابرٌ لا يُعوَّل عليه. وهي في مجملها دعوةٌ إلى ألّا ينخدع المرء بالشعارات الرنّانة وبالظاهر، وأن يكون حكيماً في اختياراته.


