فتوى المجلس الإسلامي للإفتاء في صلاة الفريضة داخل السيارة: الأصل النزول والقيام واستقبال القبلة، والرخصة معلّقةٌ بالعجز — ومعها الإعادة عند القدرة
أصدر المجلس الإسلامي للإفتاء، بتوقيع رئيسه الأستاذ الدكتور مشهور فوّاز، جواباً في حكم أداء صلاة الفريضة داخل السيارة أو الحافلة. وخلاصته أنّ الأصل عدم الإجزاء، لعلّتين اثنتين: تعذّر استقبال القبلة وهو شرطٌ في صحّة الصلاة، وتعذّر القيام وهو ركنٌ مع القدرة عليه. فالواجب إذن النزول وأداء الصلاة قائماً مستقبل القبلة متى أمكن، ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة. أمّا حال العجز عن النزول فلها في الفتوى حكمٌ آخر مبنيٌّ على قول الجمهور، مقرونٌ بترجيح الإعادة على مذهب الشافعية.
علّتان تمنعان الإجزاء: شرطٌ فائت وركنٌ متعذّر
تبني الفتوى الحكم الأصلي على علّتين لا واحدة. الأولى أنّ من شروط صحّة الصلاة استقبال القبلة، والسائق أو الراكب في سيارةٍ سائرة لا يتحقّق له هذا الشرط لأنّ وجهته تابعةٌ لوجهة المركبة. والثانية أنّ من أركان الصلاة القيام عند القدرة عليه، ومن كان داخل سيارةٍ أو حافلة لا يتحقّق له هذا الركن. واجتماعُ فوات شرطٍ مع تعذّر ركنٍ هو ما جعل الأصل المقرّر عند المجلس أنّ صلاة الفريضة على هذه الحال لا تصحّ.
ما يترتّب على ذلك: النزول والقيام، ولا فرق بين رجلٍ وامرأة
وبناءً على العلّتين تُرتّب الفتوى الواجب: على الشخص أن ينزل من السيارة أو الحافلة، وأن يستقبل القبلة، وأن يؤدّي الصلاة قائماً إن كان قادراً على القيام. وتنصّ الفتوى صراحةً على أنّ هذا الحكم واحدٌ في حقّ الرجل والمرأة، لا يختصّ بأحدهما دون الآخر. وتضيف في هذا الموضع رفعاً لحرجٍ قد يُتوهّم: أنّه لا يضرّ المرأة أن يراها الرجال وهي تصلّي في الطريق، فليس في ذلك ما يمنع أداءها الصلاة على وجهها.
متى تنعقد الرخصة: ثلاث صورٍ للعجز لا لمجرّد المشقّة
ثمّ تنتقل الفتوى إلى حال تعذّر إيقاف السيارة والنزول منها، وتضبطها بصورٍ لا تُترك للتقدير المرسل. منها أن يخشى المرء على نفسه، ومنها ألّا يكون قرار النزول بيده أصلاً كمن هو راكبٌ في حافلة، ويُضاف إلى ذلك خشية فوات وقت الصلاة. ففي هذه الأحوال يصلّي في السيارة أو الحافلة، وهذا هو قول جمهور أهل العلم. فالرخصة إذن معقودةٌ على عجزٍ حقيقي مقترنٍ بضيق الوقت، لا على مجرّد استثقال النزول.
مسألة الإعادة: خلافٌ وترجيحٌ مبنيٌّ على ندرة العذر
وأمّا هل تُعاد تلك الصلاة بعد أدائها على هذه الصورة، فتنقل الفتوى أنّ أهل العلم اختلفوا في وجوب الإعادة. وترجّح ما ذهب إليه الشافعية من أنّ الأحوط الإعادة، وتذكر لهذا الترجيح علّته: أنّ هذا عذرٌ نادر. والقاعدة الملحوظة هنا أنّ ما نَدَر من الأعذار لا تُبنى عليه رخصةٌ مستقرّة تُسقط الإعادة، بخلاف الأعذار المطّردة. فالرخصة تُجيز الأداء في وقته، والإعادة تستدرك ما فات من الشرط والركن.
تقديرٌ للواقع: النزول متيسّرٌ في الغالب، إلّا في صورةٍ واحدة
ولا تكتفي الفتوى بتقرير الحكم، بل تُتبعه بتقديرٍ للواقع: أنّ النزول من السيارة أمرٌ متيسّر في غالب الأحوال، وأنّ ذلك أظهر ما يكون إذا كانت السيارة ملكاً لصاحبها فقرار التوقّف بيده. وتستثني من هذا التيسير صورةً واحدة تذكرها بعينها: أن يخشى المصلّي على نفسه اعتداء أحد المتطرّفين، وهو ما تشير الفتوى إلى أنّه ممّا يُسمع ويُرى في الآونة الأخيرة، وأن ينضمّ إلى ذلك خوف خروج الوقت.
ترتيبٌ عند الخوف: توجيهُ المركبة إن أمكن، وإلّا فالصلاة وهي سائرة
وفي تلك الصورة تضع الفتوى ترتيباً على درجتين. الأولى أن يوقف المصلّي سيارته ويوجّهها نحو القبلة إن أمكنه ذلك، ويصلّي، مع وجوب الإعادة. والثانية إن لم يمكنه إيقافها أصلاً، فيصلّي والسيارة سائرة، وعليه أن يعيد متى تمكّن من ذلك. وتنسب الفتوى هذا الترتيب إلى مذهب الشافعية ومن وافقهم. والملاحظ في الدرجتين معاً أنّ الإعادة ثابتةٌ فيهما، فالرخصة تُسقط الحرج عن المكلّف في وقته ولا تُسقط عنه استدراك ما فات.


