عاجل
داخل
مقالات وآراء

اختزالُ الحرب في نتنياهو يُخرج الجيش من دائرة المساءلة

يعرض مقالُ تحليلٍ منشور في القسم المخصّص للمقالات بالمادّة المرصودة حجّةً واحدة يبنيها على مراحل: أنّ تفسير الحرب على غزّة بوصفها مشروعاً شخصياً لبنيامين نتنياهو ومجموعةٍ من الوزراء المتشدّدين في حكومته تفسيرٌ ناقص، وأنّ نقصانَه ليس بريئاً. ويبدأ من ملاحظةٍ في السردية الرسمية التي رافقت الحرب منذ يومها الأوّل، ثمّ يسجّل أنّ اتّساع الدمار والنزوح المتكرّر واستهداف البنية المدنية نقل السؤال من كيفية القضاء على حركة حماس إلى سؤالٍ أوسع عمّا تريده الدولةُ بغزّة أصلاً. وعند هذا الحدّ — بحسب المقال — ظهرت روايةٌ تتبنّاها ماكينات إعلامية ومنصّات ومراكز أبحاث ومفادُها أنّ ما يجري انحرافٌ مؤقّت لا يمثّل المجتمع هناك. ويرى الكاتبُ أنّ الإفراطَ في شخصنة السياسات الراديكالية وسيلةٌ مريحة للهروب من مواجهة البنى التي أنتجتها، وأنّ نتنياهو حين يصير التفسيرَ الكامل يتحوّل من عنصرٍ في المشهد إلى ستارٍ يحجبه.

3 دقائق قراءة
يعرض مقالُ تحليلٍ منشور في القسم المخصّص للمقالات بالمادّة المرصودة حجّةً واحدة يبنيها على مراحل: أنّ تفسير ال

من «كيف» إلى «ماذا»: نقطةُ انهيار السردية

يبدأ المقالُ من الإطار الذي رافق الحرب منذ يومها الأوّل: خطرٌ في غزّة يُقال إنّه يهدّد الدولة، وأهدافٌ معلنة وضعتها قيادةُ الحرب في مقدّمتها القضاءُ على حركة حماس واستعادةُ الأسرى ونزعُ سلاح القطاع. ثمّ يسجّل أنّ هذا الإطار لم يعد قادراً على استيعاب ما جرى فعلاً. والأسبابُ التي يعدّدها هي اتّساعُ الدمار، وتكرارُ النزوح، والتهجيرُ المستمرّ حتّى لحظة الكتابة، واستهدافُ البنية المدنية. وعند هذا الحدّ ينتقل السؤالُ عنده من صيغةٍ إجرائية — كيف تُنجَز المهمّة المعلنة — إلى صيغةٍ أخرى تتعلّق بالغاية نفسها: ماذا يُراد بغزّة. وهذا الانتقالُ هو مدخلُ المقال كلّه، لأنّ الرواياتِ التي يناقشها بعد ذلك تقدّم نفسها أجوبةً عن السؤال الثاني لا الأوّل.

متى تصير المسؤوليّةُ الفردية تفسيراً كاملاً

يميّز الكاتبُ تمييزاً دقيقاً لا يجوز إهمالُه عند نقل حجّته: هو لا ينفي أنّ نتنياهو مسؤولٌ عن قرارات حكومته. الشرخُ عنده يبدأ في لحظةٍ لاحقة، حين تتحوّل تلك المسؤوليّةُ إلى تفسيرٍ شامل للحرب فتصير القصّةُ كلُّها إرادةَ رئيس الحكومة ووزرائه. وعندها — بتعبير المقال — تُختزل دولةٌ ومؤسّساتٌ وجيشٌ وأحزابٌ ومجتمعٌ في شخصٍ واحد، فينقلب الرجلُ من عنصرٍ في المشهد إلى ستارٍ يحجب المشهد نفسه. والحجّةُ العامّة التي يسندها إلى ذلك أنّ المبالغة في شخصنة السياسات المتطرّفة كثيراً ما تكون طريقاً مريحاً للتهرّب من مواجهة البنى المادّية والفكرية التي أنتجت تلك السياسات ابتداءً.

الشخصيّةُ حاضرة، لكنّها ليست وحدها

لا يذهب المقالُ إلى إلغاء دور الشخص، بل يخصّص له فقرةً صريحة. فهو يرى في نتنياهو سماتٍ نفسيّة خاصّة وفكراً أيديولوجياً راسخاً أدّيا دوراً محورياً في تعميق المشهد: براغماتيّةُ مناورٍ تحرّكها غريزةُ البقاء السياسي والهروب من المساءلة، وعقيدةٌ ينسبها إلى الصهيونية التعديلية القائمة على فكرة الجدار الحديدي وعلى استبعاد المساومة التاريخية مع الفلسطينيين، إضافةً إلى ما يسمّيه عقدةَ الإرث العائلي والقومي التي ترى الصراع معركةً وجودية دائمة. لكنّ خطورة الاكتفاء بهذا التحليل، عنده، أنّه يفصل الرجلَ عن بيئته. فالرجلُ لم يفرض نفسه من فراغ، وإنّما نما في مناخٍ جرى التأسيسُ له على مدى عقود.

أين تُصنع القراراتُ الكبرى

الجوابُ الذي يقدّمه المقال عن موضع القرار يقع في مستويَين. المستوى الأوّل مؤسّسي: القراراتُ الاستراتيجية الكبرى لا تصنعها شخصيّةٌ واحدة، بل تُصاغ داخل المؤسّسة الأمنية والعسكرية — الجيشُ والشاباك والموساد — وهي تحمل عقائد راسخة ومقارباتٍ أمنية سابقةً على الرجل ومستمرّةً بعده. والمستوى الثاني مجتمعي: انزياحٌ يصفه بالتامّ نحو القومية واليمين الديني، وصعودٌ للتيّار الاستيطاني بوصفه جزءاً أصيلاً من نسيج المؤسّسات الإدارية والعسكرية والتعليمية. ويستدلّ على شموليّة هذا التحوّل بأنّه لا يقتصر على غزّة: فثمّة توسّعٌ استيطاني متسارع في الضفة الغربية، وتصاعدٌ في اعتداءات المستوطنين، وتهجيرٌ للتجمّعات الرعوية، وملاحقاتٌ سياسية للفلسطينيين في الداخل على التعبير عن الرأي.

التناقضاتُ الداخلية والغطاءُ الخارجي

يحرص المقالُ على ألّا تنقلب حجّتُه إلى صورةٍ مسطّحة عن مجتمعٍ بلا شقوق. فالإجماعُ القائم، في قراءته، إجماعٌ على عناوين أمنية فضفاضة، وهو يتآكل تحت وطأة انقساماتٍ عميقة حول كلفة الحرب وملفّ الأسرى وشكل الدولة وأزمة الخدمة العسكرية للحريديم — وهي تناقضاتٌ يعتبرها بذوراً لأزمةٍ هيكلية مقبلة. ويضيف إلى الصورة عاملَين آخرَين: غطاءٌ دولي واستراتيجي غربي تقوده الولايات المتحدة يمنح هامشَ المناورة والحماية، وفي المقابل جدارٌ ميداني يعترض هذه الآلة فيمنع الحسمَ العسكري وفكرةَ النصر المطلق. وفي هذا الموضع تحديداً يضع الكاتبُ الصمودَ الشعبي في غزّة بوصفه العائق الذي يربك الحسابات ويحول دون تحويل الفائض العسكري إلى حسمٍ سياسي.

فخُّ «إسرائيل الأخرى» وسؤالٌ بديل

ينتهي المقالُ إلى ما يعتبره أخطرَ أثرٍ لاختزال الحرب في شخص: إنتاجُ صورةٍ مريحة تُعفي المنظومة من المساءلة، وتغذّي سرديّةً دولية تفترض أنّ غياب الرجل سيعيد الأمور تلقائياً إلى مسارٍ أكثر اعتدالاً. وأثرُ ذلك، عنده، أن يصير الجيشُ مجرّد منفّذٍ للأوامر، والمؤسّساتُ خارج دائرة المسؤولية، والمجتمعُ ضحيّةً لطبقةٍ سياسية. ويلفت إلى أنّ هذه الرواية لم تبقَ في دوائرها الأصلية، بل تلقّفها جزءٌ واسع من الإعلام العربي وأعاد إنتاجها بوصفها تفسيراً مكتملاً. ولذلك يقترح في الختام استبدالَ السؤال: لا «هل نتنياهو هو المشكلة؟»، بل ما الذي تقوله الدولةُ عن نفسها وعن مستقبلها من خلاله — فالرجلُ في تقديره جزءٌ مهمّ من القصّة، لكنّه ليس القصّةَ كلَّها.