صالح نجيدات يقترح فريقاً واحداً من الواعظ والأخصائي داخل السجن
يطرح الدكتور صالح نجيدات في مقالٍ نشره «كل العرب» سؤالاً عن موقع رجل الدين في برامج تأهيل المجرمين والأحداث قياساً إلى الأخصائي النفسي والاجتماعي. ويستند إلى دراساتٍ أُجريت في الولايات المتحدة يقول إنّ بعضها وجد صلةً بين المشاركة المكثّفة في البرامج الدينية داخل السجون وبين انخفاض احتمال العودة إلى الجريمة، وإنّ بعضها الآخر رصد أثراً في تغيّر القيم والسلوك. ويشير إلى أنّ مصلحة السجون الإسرائيلية تعرف بدورها برامج تأهيلٍ ذات مضمون ديني، وأنّ دراسةً منشورة ضمن موادّها تناولت برنامجاً لتأهيل سجناء يهود. ويميّز بين ثلاثة مداخل: الأخصائي النفسي يعالج الدوافع، والأخصائي الاجتماعي يعالج الظروف الأسرية، ورجل الدين يخاطب الضمير والتوبة وردّ المظالم. ثمّ يرفض صيغة المفاضلة بينها، وينتهي إلى أنّ العقوبة وحدها قد توقف الإنسان مدّةً من غير أن تضمن تغيّره من داخله، وأنّ المطلوب برنامجٌ متكامل يجمع العلاج النفسي والتأهيل الاجتماعي والتعليم والمتابعة الأسرية إلى جانب الإرشاد الديني.
سؤالٌ عمليّ لا سجاليّ
ينطلق الكاتب من غايةٍ يصرّح بها: التماسُ سبلٍ مستحدَثة تكبح الجريمة وتعيد تأهيل من دخل دائرة الانحراف من الشبّان ومن الأحداث. وضمن هذه الغاية يطرح سؤاله عن قدرة رجل الدين على التأثير في السجين قياساً إلى الأخصائي الاجتماعي والنفسي. والملاحظة الأولى الجديرة بالتسجيل أنّ السؤال معروضٌ بوصفه سؤالاً عملياً يتعلّق بفاعلية أدوات التأهيل، لا بوصفه سجالاً بين الدين والعلم. ولذلك لا يبني الكاتب حجّته على دعوى إيمانية، بل يذهب مباشرةً إلى ما تقوله الدراسات — وهو اختيارٌ يحدّد طبيعة النقاش كلّه ويجعله قابلاً للفحص.
ما تقوله الدراسات وما لا تقوله
يشير الكاتب إلى دراساتٍ أُجريت في الولايات المتحدة تفيد بأنّ البرامج الدينية داخل السجون قد يكون لها أثرٌ إيجابي في سلوك بعض السجناء وفي استعدادهم للاندماج مجدّداً بعد الإفراج. ويسجّل نتيجتين: صلةٌ وجدتها بعض الدراسات بين المشاركة المكثّفة في هذه البرامج وبين انخفاض احتمال العودة إلى الجريمة، وأثرٌ رصده بعضها الآخر في تغيّر القيم والسلوك. ويجدر الانتباه إلى الألفاظ التي يستعملها الكاتب نفسه، فهي محتاطة: «بعض» الدراسات، و«بعض» السجناء، و«قد» يكون. ويضيف قيداً ثالثاً مهمّاً حين يقول إنّ بعض التقييمات وجدت ارتباطاً بانخفاض العودة إلى الجريمة خصوصاً حين اقترنت البرامج بالإرشاد والمتابعة والدعم بعد الإفراج — أي أنّ الأثر المنسوب إلى البرنامج الديني مشروطٌ بما يرافقه.
ثلاثة مداخل إلى الشخص نفسه
جوهر الحجّة عند الكاتب أنّ المداخل الثلاثة لا تتنافس لأنّها لا تعمل في الموضع نفسه. فالأخصائي النفسي يساعد النزيل على فهم دوافعه ومشكلاته، والأخصائي الاجتماعي يعالج ظروفه الأسرية والاجتماعية، أمّا رجل الدين فيخاطبه من مدخلٍ مغاير: الضميرِ، والتوبةِ، وخشيةِ الله، وردِّ ما أُخذ من الناس ظلماً، وحملِ التبعة، ثمّ فرصةٍ يستأنف بها حياته. ويصوغ الكاتب الفكرة صياغةً واضحة: أنّ من ارتكب جرماً لا يحتاج إلى معرفة أنّ القانون يمنعه فحسب، بل يحتاج أيضاً إلى أن يقتنع من داخله بأنّ ما فعله خطأ. ويرى أنّ هذه الكلمة تشتدّ فاعليّتها حين يكون المخاطَب شابّاً أو حدثاً لا يزال في طور بناء شخصيّته وقيمه — وهي نقطةٌ تخصّ مؤسّسات رعاية الأحداث تحديداً.
سابقةٌ داخل المؤسّسات العقابية
يردّ الكاتب على من قد يعدّ الفكرة غريبة عن المؤسّسة العقابية، فيذكر أنّها قائمةٌ فيها فعلاً. ففي السجون الأميركية برامج ذات طابعٍ دينيّ تجمع بين تعليمٍ في الدين وإرشادٍ روحيّ ولقاءاتٍ تُعقد فرادى وجماعات. وفي السياق الأقرب، يقول إنّ التجربة الإسرائيلية تعرف بدورها برامج تأهيلٍ ذات مضمون ديني، ويحيل إلى دراسةٍ منشورة ضمن موادّ مصلحة السجون تناولت برنامجاً لإعادة تأهيلٍ دينيّ لسجناء يهود، غايتُه مساعدتهم على مواجهة العودة إلى المجتمع بعد الإفراج. وإيرادُ المثالين معاً يخدم غرضاً في بناء المقال: أنّ ما يقترحه ليس ابتكاراً بلا سابقة، بل توسيعُ ممارسةٍ معمولٍ بها في منظومتين عقابيّتين مختلفتين.
من المفاضلة إلى الفريق الواحد
ينتهي الكاتب إلى رفض صيغة السؤال التي بدأ بها. فالسؤال الحقيقي عنده ليس أيّهما أفضل، بل لماذا لا يُجمع بينهما. وحجّته أنّ من ارتكب جرماً إنسانٌ مركّب، وأنّ الجريمة قلّما تنتج عن عاملٍ واحد، فالطريق الأنجع برنامجٌ متكامل يضمّ العلاج النفسي والتأهيل الاجتماعي والتعليم والمتابعة الأسرية إلى جانب الإرشاد الديني. ويشترط على رجل الدين شرطاً صريحاً: ألّا تكون غاية دخوله السجن أو مؤسّسة الأحداث إلقاء المواعظ، بل إحداث تغيّرٍ فعليّ في شخصية النزيل حتّى يعترف بخطئه ويتحمّل مسؤوليته ويطلب الصفح ممّن ظلمهم. ويلخّص موقفه من العقوبة بجملةٍ حاسمة: إنّها قد توقف الإنسان فترةً لكنّها لا تضمن أن يتغيّر من الداخل. ولذلك يدعو إلى دورٍ أكبر لرجل الدين ضمن فريقٍ مهنيّ متكامل، لا بديلاً عن الأخصائيّين. وهذا كلّه رأيُ صاحبه المنشور في باب الرأي.


