عاجل
داخل
مقالات وآراء

معسكرُ التغيير لا يبلغ الأغلبية بلا دعمٍ عربي وسقفُ اليمين 52

يقول مقالٌ نُشر في باب الرأي بموقع «كل العرب» إنّ المجتمع العربي في البلاد يقف أمام فرصةٍ نادرة للتأثير في تركيب الحكومة المقبلة، لا في هامشها. ويبني حجّته على أربع ملاحظات: أنّ معسكر التغيير يدخل السباق ببنيةٍ حزبية هي الأكثر تماسكاً منذ سنوات، بأربعة أحزابٍ كبيرة مستقرّة فوق نسبة الحسم تمثّل يميناً ويساراً ومركزاً؛ وأنّ «المشتركة» عادت إلى شبه وحدةٍ تمنع ضياع الأصوات فيما تواصل «الموحّدة» نهج الشراكة الحكومية؛ وأنّ معسكر اليمين يعاني ارتباكاً يجعل سقفه اثنَين وخمسين إلى ثلاثةٍ وخمسين مقعداً، مع أحزابٍ صغيرة قد تحرق آلاف الأصوات وتراجعٍ في شعبية «الليكود» يقدّره الكاتب بستّة إلى ثمانية مقاعد انتقلت إلى الطرف الآخر؛ وأنّ الانتقال بين المعسكرَين شبه منعدم، فيصير الوزن العربي عاملاً حاسماً. ويشدّد على أنّ هذا ليس دعوةً إلى التنازل عن الهوية بل إلى استعمال أداةٍ متاحة.

3 دقائق قراءة
يقول مقالٌ نُشر في باب الرأي بموقع «كل العرب» إنّ المجتمع العربي في البلاد يقف أمام فرصةٍ نادرة للتأثير في ترك

الفرضية: تأثيرٌ في التركيب لا في الهامش

يضع المقال فرضيّته في سطره الأوّل: أنّ المجتمع العربي يقف أمام فرصةٍ نادرة قد لا تتكرّر قريباً، وأنّها ليست فرصةً شكلية ولا هامشاً في لعبةٍ معقّدة، بل إمكانيةٌ فعلية للتأثير في تركيب الحكومة الإسرائيلية ومن ثمّ في المسار الذي تتّجه إليه الدولة. ويصف اللحظة بأنّها لحظةُ فوضى وأملٍ معاً: سنواتٌ من حروبٍ قاسية وأزمةٌ داخلية خانقة تعصف بالمجتمع الإسرائيلي كلّه من جهة، ومؤشّراتٌ سياسية جديدة تقول إنّ واقعاً أفضل ممكن من جهةٍ أخرى. والخلفية التي يستدعيها لتبرير الإلحاح مزدوجة أيضاً: تصاعدُ ما يسمّيه الهيجان العنصري والاستعماري الذي يهدّد المنطقة بحروبٍ دائمة، وتعمّقُ العنصرية البنيوية ضدّ العرب في الداخل.

معسكرُ التغيير: أربعةُ أحزابٍ فوق العتبة

الملاحظة الأولى التي يبني عليها تتعلّق بالطرف المقابل لنتنياهو. فالمعسكر المقابل، وهو الذي يسمّيه الخطاب الإسرائيلي معسكرَ الأمل والتغيير، يخوض السباق ببنيةٍ حزبية يعدّها الكاتب الأكثر تماسكاً منذ سنوات: أربعةُ أحزابٍ كبيرة يستقرّ كلٌّ منها فوق العتبة، وفيها اليمينُ واليسارُ والوسط، تحكمها تفاهماتٌ داخلية تخفّف الصراعات التي أضعفته في الماضي. ويرى أنّ هذه الأحزاب، على اختلافها الأيديولوجي، تتشارك هدفاً واحداً: منعُ استمرار المسار الذي يقود الدولة إلى مزيدٍ من التطرّف، وإسقاطُ نتنياهو بأيّ ثمن. وهذا التماسك في قراءته شرطٌ أوّل، لأنّ معسكراً مفكّكاً لا يحتاج إلى شريكٍ عربي أصلاً — إذ لا يبلغ موقعاً يحتاج فيه إلى أحد.

الطرف العربي: وحدةٌ من جهة وبراغماتية من أخرى

أمّا الشرط الثاني ففي البيت العربي نفسه. فالمقال يلاحظ عودة القائمة المشتركة إلى ما يسمّيه شبه وحدة، وهو ما يعيد الروح إلى فكرة التمثيل الجماعي ويمنع تشتّت الأصوات بين أحزابٍ صغيرة لا تتجاوز العتبة. ويلاحظ في الوقت نفسه أنّ «الموحّدة» تواصل نهجها نحو الشراكة الحكومية، وهو نهجٌ يقرّ بأنّه أثار جدلاً واسعاً لكنّه فتح باباً لشرعيةٍ جديدة لفكرة التأثير العربي المباشر في صنع القرار. ويرى الكاتب في اجتماع الأمرَين — وحدةٌ من جهة وبراغماتية من جهة — ديناميّةً تزيد احتمالات ارتفاع نسبة التصويت وتمنع احتراق الأصوات. وهذان بالضبط هما ما يحوّل الكتلة العربية من رقمٍ رمزي إلى رقمٍ يُحسب في تشكيل الحكومة.

حسابُ الحادي والستّين وارتباكُ اليمين

ثمّ يصل المقال إلى صلب حجّته، وهو حسابٌ عددي لا موقفٌ قيمي. فالجمهور المنتمي إلى معسكر التغيير، على تحفّظه التقليدي من مشاركة الأحزاب العربية، بات يدرك في رأي الكاتب أنّ بلوغ الحادي والستّين من دون دعمٍ عربي شبه مستحيل، خصوصاً مع رفضه العودة إلى تحالفاتٍ مع نتنياهو أو مع الأحزاب الحريدية. وفي المقابل يرصد ارتباكاً في معسكر اليمين: فشلُ نتنياهو في ترتيب معسكره، وأحزابٌ صغيرة مثل «نوعام» و«الحريديم الجدد» قد تحرق آلاف الأصوات، وصراعاتٌ بين «الليكود» وسموتريتش وأحزاب اليمين الديني، وتراجعٌ في شعبية «الليكود» يقدّر أنّ ستّة إلى ثمانية مقاعد انتقلت بسببه إلى الطرف الآخر، وأزمةٌ داخلية في الأحزاب الحريدية بين انتقال الأجيال والخلافات التنظيمية. وحصيلةُ ذلك عنده سقفٌ لهذا المعسكر عند اثنَين وخمسين إلى ثلاثةٍ وخمسين مقعداً، قابلٌ للانخفاض إن لم تتجاوز بعض الأحزاب العتبة.

ما الذي يُشترى بهذا الوزن

ويبقى السؤال الذي يختم به: ماذا يُفعل بهذا الوزن إن تحقّق. ويعدّد الكاتب خمسة مقاصد: كبحُ الخطاب العنصري المتصاعد في الإعلام والسياسة، ووقفُ السياسات التي تدفع المنطقة إلى صداماتٍ متّصلة، وحمايةُ المجتمع العربي من التمييز البنيوي في الميزانيات والخدمات وسياسات الأمن، وإقامةُ صلةٍ جديدة بين الدولة ومواطنيها العرب قوامُها الشراكة بدل الإقصاء، وفرضُ جدول أعمالٍ مدني يتناول الجريمةَ والفقرَ والتعليمَ وبنى البلدات العربية التحتية. ويسبق ذلك كلَّه تحفّظٌ يضعه صراحةً: إنّ ما يدعو إليه ليس تنازلاً عن الهوية، بل استعمالُ أداةٍ متاحة. وبهذا يضع المقال نفسه في موقعٍ ثالث بين من يرى في الصندوق خيانةً ومن يرى فيه خلاصاً: أداةٌ تُقاس بما تُحصّله، لا أكثر.