قانونُ القومية 2018 بدايةُ تكثيف «إسرائيل الثالثة»
يأخذ مقالٌ نُشر في باب «مقالات» بموقع «الجرمق» مفهوماً صاغه الكاتب العراقي ناظم علي، هو «العقل المفخّخ»، ويجعله أداةً لقراءة المسار السياسي الإسرائيلي. والمفهوم — كما يورده النصّ — يصف عقلاً يبدو علمياً موضوعياً بينما يحمل خطابه تحيّزاتٍ دينية أو عقائدية مستترة، وصاحبُه قد يكون أكاديمياً أو مثقّفاً، والعبوةُ فيه هي المسلّمات لا الأفكار المعلنة. ومن هنا يفرّق الكاتب بينه وبين «العقل المتطرّف»، إذ لا يسأل عمّا يقوله الشخص بل عن المسلّمات غير المعلنة التي تجعله يرى العالم على نحوٍ بعينه. ثمّ يطبّق ذلك على ثوابت قامت عليها الدولة، ويصل بها إلى مفهوم «اليودوقراطية» وإلى قانون القومية سنة 2018، ليخلص إلى أنّ الانتخابات المقبلة خيارٌ بين استكمال «دولة يهودا» وبين انحياز التيّار الليبرالي اليهودي إلى مشروع الدولة الديمقراطية وفقاً لقرارَي الأمم المتحدة 181 و273.
عبوةٌ في المسلّمات لا في الشعارات
ينطلق المقال من تعريفٍ ينسبه إلى الكاتب العراقي ناظم علي. والعقل المفخّخ عنده عقلٌ قد يبدو في ظاهره علمياً أو موضوعياً، غير أنّ خطابه محمّلٌ بتحيّزاتٍ دينية أو طائفية وعقائدية مستترة. وصاحبُ هذا العقل ليس بالضرورة جاهلاً ولا متطرّفاً في الظاهر، فقد يكون أكاديمياً أو مثقّفاً؛ والعبوةُ فيه تكمن في المسلّمات التي يحملها خطابُه لا في ما يصرّح به. وعلى هذا الأساس تتحوّل الأحكام الجاهزة إلى حقائق لا تُناقَش، ويصير الوعي الفردي والجماعي — على تعبير النصّ — ملغّماً بدوغمائياتٍ مقنّعة تكتسب طابع القداسة.
فرقٌ عن «العقل المتطرّف»
ويحرص الكاتب على تمييز مفهومه عمّا يشبهه. فالعقل المتطرّف أو الأيديولوجي يُعرَف بما يقوله صاحبه صراحةً، أمّا العقل المفخّخ فلا يُبحث فيه عن ظاهر القول بل عمّا سمّاه النصّ العجينة الذهنية: المسلّمات غير المعلنة التي تجعل صاحبها يرى العالم على هذا النحو دون سواه. والمشكلة إذن ليست في الأفكار المتطرّفة التي تطفو على سطح الخطاب، بل في الأفكار المسبقة المختبئة داخل كلامٍ يبدو عقلانياً ومحايداً. وبهذا التمييز ينتقل السؤال من مضمون الخطاب إلى شروط إنتاجه.
ثوابتُ الدولة في قراءة الكاتب
ثمّ ينقل المقال المفهوم من العامّ إلى الحالة الإسرائيلية، فيعدّد ما يعدّه ثوابت قامت عليها الدولة منذ نشأتها: يهوديّةُ الدولة أوّلاً، والأغلبيةُ اليهودية مبدأً حاكماً، والأرضُ حقّاً توراتياً قومياً، والاستيطانُ حقّاً دينياً مشروعاً، والفلسطينيُّ مشكلةً ديموغرافية وأمنية. ويسأل الكاتب: هل فخّخت هذه المسلّمات العقل السياسي والشعبي هناك إلى حدٍّ أجبر الجانب الديمقراطي فيه على التأقلم معها؟ وجوابُه أنّ الأضداد تصارعت داخل وحدةٍ واحدة، وأنّ النتيجة كانت نفيَ مظاهر الديمقراطية خطوةً بعد خطوة.
«اليودوقراطية» وقانون القومية
ومن هذا الوصف ينتقل النصّ إلى مفهومٍ ثانٍ يسمّيه اليودوقراطية، ويصرّ على أنّه ليس مجرّد حكم اليهود. فهو عنده نظامٌ تبقى فيه الديمقراطية قائمةً في بنيتها الإجرائية الشكلية، بينما تكون هويّة الدولة اليهودية قد حدّدت سلفاً حدود المواطنة والمساواة والسيادة والانتماء وتعريف الجماعة صاحبة الحقّ التاريخي. ويرى الكاتب أنّ هذا النفي لم يطل العرب وحدهم — وهم خارج تعريف الدولة عنده أصلاً — بل طال اليهود الليبراليين أنفسهم. ويؤرّخ لتكثيف هذا المسار بسنّ قانون القومية عام 2018، ويعدّه بداية تكوّن ما يسمّيه «إسرائيل الثالثة».
عقلان لا حزبان، وخياران في الانتخابات
وخلاصةُ المقال أنّ الصراع الدائر ليس بين حكومة نتنياهو ومعارضيها، ولا بين اليمين الديني والليبرالي وحدهما، بل بين عقلَين سياسيَّين: عقلٌ ليبرالي ما زال قادراً على مساءلة مسلّمات الدولة اليهودية وإدارتها، وعقلٌ توراتي تُشكّل عنده يهوديّةُ الدولة نقطة البداية والنهاية معاً. وعلى هذا يضع الكاتب الانتخابات المقبلة أمام خيارَين: استكمالُ التحوّل إلى ما يسمّيه «دولة يهودا»، أو صحوةُ التيّار الليبرالي وانحيازُه إلى مشروع الدولة الديمقراطية وفقاً لقرارَي الأمم المتحدة 181 و273 اللذَين يقول إنّ وثيقة الاستقلال تضمّنت مبادئهما. ويختم بأنّ على الأحزاب العربية، موحّدةً كانت أو مشتركة، أن تبني سياستها على هذا التشخيص.


