دعوةُ لندن إلى رفض إغلاق قنصليّتها في القدس القائمة منذ 1839
يقرأ مقالٌ نُشر في باب «مقالات» بموقع «الجرمق» الردَّ الإسرائيلي على العقوبات البريطانية المتعلّقة بالمستوطنات، ويتوقّف عند بندٍ واحدٍ منه: إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية خلال ثلاثين يوماً. ويرى الكاتب أنّ لندن ميّزت قانونياً وسياسياً بين إسرائيل من جهة والاحتلال والمستوطنات من جهةٍ أخرى، وأنّ الردّ الإسرائيلي جاء في أربعة بنودٍ ثلاثةٌ منها تصيب الفلسطينيين لا البريطانيين. ويستعيد تاريخ البعثة منذ تأسيسها في العهد العثماني سنة 1839 واستمرارها في الانتداب وفي فترة الحكم الأردني، وبقاءها بعد 1967 لخدمة الفلسطينيين. ويخلص إلى أنّ إسرائيل تملك القوّة لإغلاقها ولا تملك الأساس القانوني، وأنّ المطلوب من لندن ألّا تعترف بالإغلاق ولو نُفّذ فعلاً.
ما أعلنته لندن وبأيّ بنود
يبدأ المقال من الإعلان البريطاني الذي أدلى به وزير الخارجية إيد ميليباند أمام البرلمان، ويصفه بأنّه انتقالٌ من العتاب إلى العقاب وإن كان محدوداً في حجمه. ويقوم الإعلان — كما يعدّده الكاتب — على تمييزٍ حادّ بين إسرائيل في حدود هدنة 1949 والمناطق المحتلّة سنة 1967، مع تأكيد الوزير أنّ حكومته تشجّع التبادل التجاري مع إسرائيل وأنّ الإجراءات تطال الاستيطان والاحتلال وحدهما. وبنودها: منعُ دخول منتجات المستوطنات وسلعها مع تشريعٍ خاصّ خلال ستّة إلى تسعة أشهر؛ وقيودٌ على شركاتٍ ومستثمرين وأفرادٍ يقدّمون خدماتٍ تسهّل توسيع المستوطنات، وفي مقدّمتهم المنخرطون في مشروع «إي.1» بين القدس وأريحا؛ وحظرُ الترويج للمستوطنات داخل بريطانيا بما في ذلك إعلانات بيع العقارات والأراضي؛ وعقوباتٌ على مستوطنين شاركوا في أعمال عنف؛ ورفضُ طلبات ترخيصٍ لبيع أسلحةٍ ومنتجاتٍ تتّصل مباشرةً بتكريس الاحتلال؛ واعتبارُ الاحتلال برمّته غير قانوني.
الردُّ الإسرائيلي المربّع ومن يصيبه
ويصف الكاتب الردّ الإسرائيلي بأنّه جاء في أربعة بنود، بعد أن وصفت حكومة نتنياهو الخطوة البريطانية بأنّها عقوباتٌ على إسرائيل. والبنود: إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية؛ ومنع بريطانيا من المشاركة في المركز الدولي للتنسيق المدني العسكري الخاصّ بغزّة القائم على أراضي بلدة عراق المنشية، أي كريات غات اليوم؛ ووقف البرنامج البريطاني لتدريب قوّات الأمن الفلسطينية؛ ومنع دخول اثنتَي عشرة شخصية بريطانية بادّعاء انخراطها في نشاطٍ معادٍ. ثمّ يجري الكاتب حسابه: البند الأخير وحده عقوبةٌ تقع على بريطانيين، أمّا إغلاق القنصلية ووقف التدريب فيصيبان الفلسطينيين، وأمّا إبعاد لندن عن مركز التنسيق فيعدّه هدفاً في المرمى الإسرائيلي لأنّه يُفقد إسرائيل حليفاً داخل المركز.
قنصليةٌ أقدم من الدولة نفسها
ثمّ ينتقل النصّ إلى تاريخ البعثة ليبني عليه حجّته. فالقنصلية — بحسبه — أُسّست في العهد العثماني سنة 1839، أي قبل قيام إسرائيل، وواصلت عملها في زمن الانتداب ثمّ في فترة الحكم الأردني للقدس والضفة الغربية. وبعد احتلال المدينة سنة 1967 أبقتها بريطانيا قائمةً بوصفها بعثةً تقدّم خدماتها للفلسطينيين في القدس والضفة وغزّة، حتى إذا اعترفت لندن بالدولة الفلسطينية صارت في حكم القنصلية البريطانية لدى فلسطين. ويضيف الكاتب تفصيلَين يراهما حاسمَين: مقرّها الحالي في حيّ الشيخ جرّاح كان قائماً قبل احتلال 1967، وهي في الوثائق البريطانية بعثةٌ مستقلّة لا فرعٌ للسفارة في تل أبيب — فالسفارة للإسرائيليين والقنصلية للفلسطينيين.
لماذا وقع الاختيار على القنصلية
ويعدّد المقال أربع غاياتٍ يراها وراء اختيار هذا البند بالذات: إنزالُ عقوبةٍ إضافية بالفلسطينيين؛ وتأكيدُ ما تسمّيه إسرائيل سيادتها على القدس وحقّها في فتح الممثّليات الأجنبية فيها وإغلاقها؛ ومحوُ ما بقي من مظاهر سيادةٍ فلسطينية ملموسة في المدينة، ما دامت مرجعية هذه البعثة فلسطين لا إسرائيل؛ وأخيراً تفادي ردٍّ بريطاني، لأنّ لندن تعدّ القدس أرضاً محتلّة، فإغلاق سفارةٍ أو قنصلية إسرائيلية عندها ردّاً بالمثل يعني ضمناً إقراراً بأنّ القدس جزءٌ من إسرائيل. ويخلص إلى أنّ الإجراء صُمِّم بحيث يَصعُب الردّ عليه دبلوماسياً.
فيينا 1963 وحدود «الدولة المستقبلة»
ويعرض الكاتب بعد ذلك الحجّة القانونية من وجهَيها. فاتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية لسنة 1963 تجعل إنشاء البعثة رهناً بموافقة الدولة المستقبلة، وتخوّلها إعلان أيّ دبلوماسي شخصاً غير مرغوبٍ فيه، بل وإغلاق البعثة استناداً إلى مبدأ السيادة. لكنّ الشرط الذي تقوم عليه هذه الصلاحيات كلّها — في قراءته — غائبٌ هنا، لأنّ القانون الدولي والموقف البريطاني لا يعترفان بسيادةٍ إسرائيلية على المدينة. ويسند ذلك بما تعلنه القنصلية نفسها عن ثبات موقف حكومتها منذ نيسان 1950: اعترافٌ بإسرائيل مع حجب الاعتراف بالسيادة على القدس ريثما يتقرّر وضعها النهائي، وإقرارٌ بسلطة أمر واقعٍ في شقّها الغربي، واعتبارُ شرقيّها محتلّاً. ولهذا ترفض لندن نقل سفارتها إلى المدينة كما فعلت واشنطن. وفي المقابل يبرّر وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعار الإجراء بأنّ القدس الموحّدة عاصمةٌ خاضعة لسيادةٍ كاملة، وأنّ أيّ نشاطٍ أجنبي فيها يمرّ بقنواتٍ توافق عليها إسرائيل.
ما يقترحه الكاتب على لندن
ويختم المقال باقتراحاتٍ عملية بعد أن أُمهلت بريطانيا ثلاثين يوماً لإقفال المكاتب ووقف العمل. فالمطلوب أوّلاً إعلانٌ صريح برفض القرار على أساس انتفاء الصلاحية، ثمّ إعلانُ تعليقٍ موقّت للعمل في المقرّ الحالي إلى أن تتبدّل الظروف: إمّا بتغيّر موقف الحكومة الإسرائيلية وإمّا بزوال الاحتلال. ويضيف مخارج أخرى: مواصلةُ عمل البعثة من رام الله مع الاحتفاظ باسمها ودورها، وتقديمُ الخدمات القنصلية إلكترونياً وهو ممكنٌ عملياً. والخلاصة عنده أنّ لدى إسرائيل القوّة على الإغلاق دون الأساس القانوني له، وأنّ المطلوب ألّا يُعترف بالإغلاق رسمياً ولو جرى فعلاً — فإن أرادتها إسرائيل امتحاناً في السيادة، فليكن امتحاناً تسقط فيه.


