«ثقافةُ الانتظار» تُبقي الأجيال تدور في الدائرة نفسها
ينطلق مقالٌ نُشر في باب الرأي من ملاحظةٍ على تعاقب الأجيال: أنّ المشهد يعيد إنتاج نفسه — انقساماتٌ وصراعاتٌ وحروبٌ وفقرٌ وفسادٌ وجهل، وهجرةُ عقولٍ إلى الغرب يعزوها الكاتب إلى فساد الأنظمة. ويسمّي الداء «ثقافة الانتظار»: انتظارُ النصر، وانتظارُ الإصلاح، وانتظارُ غدٍ أفضل، فيما المستقبل يُصنع ولا يُنتظر ولا منقذَ يصنعه. ويدعو إلى شجاعة الاعتراف بالخطأ بدل الاكتفاء بالافتخار بأمجاد الماضي وتحميل الآخرين مسؤولية الحاضر، وإلى إعادة تعريف النصر بحيث يكون هزيمةً للجهل والفقر والفساد لا كثرةً في الضحايا. ويخلص إلى أنّ الثورة المطلوبة ثورةٌ في طريقة التفكير تسبق أيّ مطالبةٍ بتغيير الواقع.
الدائرة التي لا تنكسر
يفتح الكاتب نصَّه بما يصفه بالمؤلم: أن تتعاقب الأجيال بينما يبقى الدوران في الدائرة ذاتها. ويعدّد ما يراه عناصر هذه الدائرة: الانقسامات والصراعات والحروب والفقر والفساد والجهل، ويضيف إليها هجرة العقول إلى الغرب، ناسباً هذه الأخيرة إلى فساد الأنظمة الحاكمة. وأهمّ ما في هذا التعداد أنّه لا يقدّم العناصر بوصفها أزماتٍ متفرّقة، بل بوصفها حلقةً واحدة يغذّي بعضها بعضاً فتتجدّد مع كلّ جيل.
داءُ الانتظار
ثمّ ينتقل إلى ما يعدّه العلّة المركزية: اعتيادُ الإنسان على انتظار ما سيأتي. فهو ينتظر النصر، وينتظر الإصلاح، وينتظر غداً أفضل. وفي مقابل هذا يضع الكاتب قاعدته: أنّ المستقبل تصنعه الأمّة بنفسها، وأنّ انتظار منقذٍ يصنعه نيابةً عنها هو ما يطيل أمد الدوران. وبهذا ينقل المسؤولية من الظرف الخارجي إلى الموقف الداخلي، وهي النقلة التي يُبنى عليها بقيّة المقال.
الماضي درساً لا مهرباً
ويتناول علاقة الحاضر بالتاريخ من زاويةٍ نقدية. فلا يكفي في رأيه الافتخار بأمجاد الماضي ثمّ تحميل الآخرين مسؤولية الحاضر، لأنّ في ذلك التاريخ نفسه — إلى جانب صفحاته المشرقة وحضارته — صفحاتٍ من الفتن والاقتتال والانقسام دمّرت الأوطان وشتّتت الشعوب. والمطلوب عنده أن يكون التاريخ درساً يُتعلَّم منه لا وسيلةً للهروب من واجب اللحظة. ويستحضر في السياق نفسه أنّ أوّل كلمةٍ في الوحي كانت أمراً بالقراءة، ليقول إنّ العلم والعمل والإنتاج ما زالت تنتظر مكانها في مقدّمة الأولويات.
إعادة تعريف النصر
أمّا أوضح مقترحاته فهو تغيير معنى كلمةٍ بعينها. فالنصر عنده ليس في قتل الأخ ولا في تدمير الوطن ولا في إحصاء الضحايا، وإنّما في هزيمة الجهل والفقر والفساد، وفي بناء مجتمعٍ متعلّمٍ آمنٍ عادلٍ منتج يقوم على القيم. ويقابل ذلك بقوله إنّ تقدّم الأمم لا يصنعه شعارٌ مهما كثر ترديده؛ وإنّما يصنعه العلم والتعليم والبحث، ومعها الصناعة والاقتصاد وبناء الإنسان — أي الأدوات التي تُقاس نتائجها لا الخطاب الذي يُقاس حماسُه.
ثورةٌ في طريقة التفكير
وينتهي المقال إلى ترتيبٍ للأولويات: الثورة المطلوبة ثورةٌ في طريقة التفكير تسبق المطالبة بتغيير الواقع. ويحدّد معالمها في أن يصير العلم قيمة، والعمل ثقافة، والاختلاف حقّاً، والحوار وسيلة، وأن يُوضع الوطن فوق الأشخاص والأحزاب والطوائف. ويضيف إلى ذلك مصارحةً أخيرة: أنّ الطريق الذي أوصل إلى ما وصلت إليه الحال لا يمكن أن يكون هو نفسه الطريق الذي يقود إلى غيرها. فالبداية عنده من بناء الإنسان وتعليم الأبناء وترسيخ العمل والقانون، لأنّ المجتمع لا يتغيّر قبل أن يتغيّر أفراده.


