عاجل
داخل
مقالات وآراء

مرعي حيادري يروي إقصاءه بعد شائعاتٍ بقيت سنواتٍ بلا نقاش

في مقالٍ نشره تحت عنوان «حكايات من الوجدان الإنساني»، يروي مرعي حيادري تجربته مع شركاء سياسيين انتخبوه ثمّ أقالوه، ويقول إنّ حكايته ليست حكاية منصبٍ ضاع بل حكاية ثقةٍ مُنحت ثمّ غُدر بها. ويتوقّف عند نقطةٍ يعدّها جوهر المسألة: شائعاتٌ واتهاماتٌ كان يمكن أن تُناقش في حينها فتَثبت أو تُنفى بالحجّة، لكنّها تُركت معلّقة سنواتٍ حتى جاء يومٌ صارت فيه أداة إقصاء. ويخلص إلى أنّ إبعاد إنسانٍ سياسياً بالشائعة، من دون مواجهةٍ ولا فرصة دفاع، ليس خلافاً سياسياً عادياً بل جريمةٌ تقتل السمعة وتترك صاحبها حيّاً بجرحه. ويختم بأنّ المنصب يُنزع بقرار، أمّا الكرامة فلا يملك أحدٌ قرار نزعها.

2 دقائق قراءة
في مقالٍ نشره تحت عنوان «حكايات من الوجدان الإنساني»، يروي مرعي حيادري تجربته مع شركاء سياسيين انتخبوه ثمّ أقا

حكايةٌ ليست عن منصب

يبدأ الكاتب بنفي ما يتوقّعه القارئ من نصٍّ كهذا. فهو يقول إنّ ما جرى له مع من عاش بينهم شريكاً سياسياً، ومن انتخبوه ثمّ أقالوه، ليس قصّة كرسيٍّ سُحب من تحته ولا موقعٍ خسره. المسألة عنده في مكانٍ آخر: ثقةٌ أعطاها، ثمّ جاءت الطعنة من الجهة التي لم يكن يتوقّع أن تأتي منها. وبهذا التمييز يضع النصَّ منذ سطره الأوّل في باب الأخلاق السياسية لا في باب الحسابات الحزبية.

الشائعة التي تُترك معلّقة

أمّا العنصر الذي يدور حوله المقال فهو الزمن. فالاتهامات والشائعات التي استُعملت في إقصائه — كما يرويها — لم تكن جديدة، وكان في الإمكان أن تُطرح للنقاش يوم ظهرت فتُثبَت أو تُنفى بالحجّة. غير أنّها لم تُناقش، وبقيت معلّقة في الهواء سنواتٍ طويلة، إلى أن حان يومٌ صار فيه ذلك الرصيد القديم سلاحاً جاهزاً للاستعمال. والدرسُ الذي يستخرجه من ذلك أنّ ترك التهمة بلا فصلٍ ليس حياداً، بل ادّخارٌ لها.

حين يتحوّل الخلاف إلى تصفية حساب

من هنا يصوغ خلاصته في السياسة: أخطر ما فيها ليس الاختلاف نفسه، فالاختلاف طبيعي، وإنّما تحوّل الخلافات إلى تصفية حسابات. وعندها يصير المرء متّهماً لأنّ بعضهم قرّر أن يتّهمه، لا لأنّ الحقيقة قالت كلمتها. ويضيف إلى ذلك بُعداً شخصياً: إنّه وقف مع هؤلاء حين كان الوقوف مكلفاً وحمل معهم أعباء الطريق، ثمّ اكتشف عند لحظة الاختبار أنّ بعض من صافحوه بالأمس كانوا يخفون وراء المصافحة شيئاً آخر.

لماذا يسمّيها جريمةً سياسية

لا يستعمل الكاتب وصف «الجريمة السياسية» على سبيل المبالغة، بل يشرح مقصده به. فالإقصاء بالشائعة، بلا عدالةٍ ولا مواجهةٍ ولا فرصةٍ حقيقية للدفاع، يفعل — في تقديره — ما لا يفعله الخلاف: يقتل السمعة، ويغتال الثقة، ويترك صاحبه حيّاً يحمل جرحه أمام الناس. وهذه النقطة الأخيرة هي مربط حجّته: أنّ الضرر لا ينتهي بانتهاء الواقعة لأنّ المتضرّر يبقى ليعيش أثرها.

ما لا يملك أحدٌ نزعه

ويختم بموقفٍ من التجربة كلّها. فهو لا يندم على الثقة التي منحها، ويرى أنّ العيب ليس في مَن وثق بل في مَن جعل الثقة طريقاً إلى الغدر. ويرى أنّ سياسةً لا تحتمل نقداً، ولا تقرّ بخطأ، ولا تترك لصاحبها باباً يدافع عنه عن نفسه، ليست سياسةً تُبنى بها الأوطان بل لعبة كراسٍ. وآخرُ ما يقوله إنّ المرء قد يُقال من منصبه، غير أنّ أحداً لا يقدر على إقالته من ذاكرة الناس، ولا على مصادرة حقّه في أن يقول ما يراه حقّاً: فالكرسيّ يُنتزع بقرار، أمّا الكرامة فليس لأحدٍ قرارٌ فيها.