خاطرةٌ في «كل العرب» تسأل عن الغائب الذي كان يجمع المختلفين قبل أن يتّسع الخرق: شهران على الاقتراع وانشغالٌ بتصيّد الأخطاء، والدعوة إلى طاولةٍ واحدة بعيداً عن الإعلام وعن تسجيل النقاط
تنطلق خاطرةٌ نُشرت في «كل العرب» من مفارقةٍ في التوقيت: أقلّ من شهرين يفصلان عن الانتخابات البرلمانية، والانشغال الغالب خلافاتٌ جانبية وتبادل اتّهاماتٍ وبحثٌ في زلّات بعضنا بعضاً. ويرى صاحبها أنّ ما يجري لم يعد منافسةً شريفة بل صراعاً سلبياً يأكل من رصيد المجتمع ويُضعف ثقة الناس بقياداته. ويسمّي الغائب: «الكبير» الذي لا يقيس بمنظارٍ حزبيّ ولا شخصيّ، ويملك الشجاعة ليقول للخطأ خطأ ولو صدر عن قريب. ويحذّر من أنّ أيّ تنظيمٍ لا يحتوي خلافاته سيضعف مهما بدا قوياً اليوم. ثمّ يقترح مخرجاً عملياً: أن تدعو شخصياتٌ ذات مكانة الأطراف إلى طاولةٍ واحدة، بعيداً عن الإعلام وعن الشبكات وعن تسجيل الانتصارات.
المفارقة التي ينطلق منها: استحقاقٌ قريب وانشغالٌ بعيد
تقوم الخاطرة كلّها على مفارقةٍ في التوقيت. فأقلّ من شهرين يفصلان عن استحقاقٍ برلماني يصفه صاحبها بأنّه ليس مرحلةً عادية ولا يحتمل العبث، وفي هذه المهلة نفسها ينصرف الجهد إلى خلافاتٍ جانبية ومشكلاتٍ اجتماعية وتبادل اتّهامات وتنقيبٍ في زلّات بعضنا بعضاً. ويقرأ ذلك كأنّنا لا نقف أمام استحقاقٍ سياسي مصيريّ أصلاً. فبدل توحيد الصفّ والاستعداد لمعركةٍ تحتاج كلّ صوتٍ وكلّ جهد، صار انشغال بعضنا ببعض: كلّ فئةٍ تراقب الأخرى وتتربّص بزلّتها، فإذا وقعت سارعت إلى نشرها وتضخيمها.
سؤالٌ يطرحه بصوتٍ عالٍ من غير أن يجيب عنه
ولا يمرّ الكاتب على ما شغل الرأي العامّ في الأيّام الأخيرة مرور الكرام، لكنّه لا يتّهم أحداً بشيء. فما يفعله أن يحوّل الحادثة إلى سؤالٍ يطرحه بصوتٍ عالٍ: من الذي صنع مشكلة جعفر فرح؟ ولماذا أُثيرت في هذا التوقيت بالذات؟ وما الغاية من إثارتها؟ ويتركها أسئلةً مفتوحة بلا إجابةٍ يقترحها ولا اسمٍ يشير إليه. والقصد من طرحها في نظره أن ينتقل النظر من الواقعة إلى ما وراءها: أي إلى الآلية التي جعلت خلافاً تنظيمياً يتّسع على هذا النحو.
التشخيص: صراعٌ سلبيّ يأكل الرصيد، وعلاقاتٌ مريضة
ينتقل بعد ذلك إلى تسمية ما يراه بلا مواربة. فما يجري في تقديره لم يعد منافسةً شريفة، بل صار صراعاً سلبياً يأكل من رصيد المجتمع ويُضعف ثقة الناس بمن يقودونه. ويصف العلاقات السياسية والتنظيمية القائمة بأنّها مريضة، ويعدّد أعراض المرض: أن يصير همّ كلّ فئةٍ اكتشاف أخطاء غيرها، وأن تتحوّل المنافسة إلى تشويه، وأن يصير الخلاف سبباً للقطيعة، وأن يغيب الحوار وتغيب الحكمة. والحصيلة عنده أنّ ما يجري ليس بناءً لمجتمعٍ ولا لتنظيم، بل هدمٌ بالأيدي لما بناه من سبقوا.
الغائب: «الكبير» الذي كان يعرف متى يتدخّل
أمّا ما تفتقده الساحة في نظره فشخصياتٌ من طرازٍ يقول إنّه رحل. فقد كان في زمن القيادات الاجتماعية والسياسية التي مضت من يعرف متى يتدخّل، وكيف يجمع المختلفين، وكيف يقول للجميع إنّ مصلحة المجتمع فوق الجميع — ولو وقعت مشكلةٌ كهذه في ذلك الزمن لما بلغت في رأيه ما بلغته. والصفة التي يشترطها في هذا «الكبير» صفتان: ألّا يقيس الأمور بمنظارٍ حزبيّ أو شخصيّ، وأن يملك الشجاعة ليقول للخطأ إنّه خطأ وللصواب إنّه صواب أيّاً كان صاحبه. وهذا الشرط الثاني هو الأصعب، لأنّه يوجب الحكم على القريب بما يُحكم به على البعيد.
التحذير والمخرج: من ينهار غداً، ومن يجلس اليوم
ويصوغ تحذيره في صيغةٍ عامّة تتجاوز حزباً بعينه: أنّ أيّ تنظيمٍ لا يستطيع احتواء خلافاته، ولا يملك قيادةً حاسمة حكيمة، ويسوده التوتّر والانقسام والمنافسة السلبية — سيضعف غداً مهما بدا قوياً اليوم، وقد يبلغ الانهيار. ثمّ يقترح مخرجاً عملياً لا خطابياً: أن تبادر شخصياتٌ لها مكانتها إلى دعوة الأطراف إلى طاولةٍ واحدة، بثلاثة شروط يذكرها بالاسم — بعيداً عن الإعلام، وبعيداً عن وسائل التواصل، وبعيداً عن تسجيل النقاط والانتصارات. فالعلن في تقديره جزءٌ من المشكلة لا من الحلّ.
الخلاصة: ما يزول وما يبقى
وينتهي إلى ثلاث قواعد يريدها أن تُتعلَّم: أنّ الخلاف لا يعني العداء، وأنّ اختلاف الرأي لا يبرّر التشهير، وأنّ المنافسة السياسية لا تعني تدمير الآخر. ويختم بموازنةٍ بين ما يزول وما يبقى: فالانتخابات ستأتي وتنتهي، والمرشّحون سيتغيّرون، والأحزاب قد تتبدّل مواقعها — أمّا المجتمع فيبقى لأهله بعد أن ينفضّ كلّ ذلك. وفي هذه الموازنة يقع مغزى الخاطرة كلّها: أنّ ما يُكسر في شهرين قد يحتاج إلى سنواتٍ ليُرمَّم.


