عاجل
داخل
مقالات وآراء

مقالٌ يبني على عبارةٍ كان يردّدها رجلٌ في دكّانه — «الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا» — قراءةً في جيلٍ يقيس نفسه بعدد المتابعين ويؤجّل السؤال عمّا سيبقى منه

ينطلق مقالٌ منشور من عبارةٍ سمعها كاتبه في مجلسٍ جمعه بالمحامي خالد سكيس، نقلها الأخير عن جدّه أبي عمر دريعي الذي كان يردّدها وهو جالسٌ في دكّانه الصغير: «الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا». ويجعل الكاتب من هذه الجملة القصيرة مدخلاً إلى سؤالٍ عن جيلٍ يعيش في عالمٍ سريع مزدحم بالمظاهر والشاشات، لكنّه — في رأيه — يؤجّل الأسئلة التي تستحقّ أن تُطرح. ولا يدين المقال المتعة ولا الفرح، بل يفرّق بين الحرية والفوضى، وبين قيمة الإنسان وصورته المعروضة، وينتهي إلى نصيحةٍ عملية: ألّا يُنتظر الفقد كي يبدأ الانتباه.

3 دقائق قراءة
ينطلق مقالٌ منشور من عبارةٍ سمعها كاتبه في مجلسٍ جمعه بالمحامي خالد سكيس، نقلها الأخير عن جدّه أبي عمر دريعي ا

جملةٌ من دكّانٍ صغير تفتح سؤالاً كبيراً

أصل المقال حكايةٌ لا أطروحة. جلسةٌ جمعت الكاتب بالمحامي خالد سكيس، روى فيها الأخير عن جدّه أبي عمر دريعي أنّه كان يردّد وهو في دكّانه الصغير: «الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا». وهي عبارةٌ موجزة يقرأ فيها الكاتب سؤالاً أكبر من حجمها: كم من إنسانٍ يمضي في حياته من غير أن يعيشها حقّاً. ومن هذا الموضع بالذات ينتقل المقال من الحكاية إلى موضوعه، وهو حال شبابٍ يراهم الكاتب وسط عالمٍ سريع مليء بالصخب والهواتف ووسائل التواصل، وبعيدين في الوقت نفسه عن أسئلةٍ أربعة: من أنا، وماذا أريد، وإلى أين أمضي، وما الأثر الذي سأتركه بعدي.

الحدّ الفاصل: ليست المتعة هي المشكلة

ويحرص المقال على تحديد موضع الاعتراض قبل أن يسوقه، فينفي أن تكون المشكلة في أن يعيش الشباب حياتهم أو يستمتعوا بأوقاتهم، ويقرّر أنّهم يحتاجون إلى الفرح والحبّ والصداقة والطموح. ثمّ يضع الحدّ الذي يبدأ عنده الخلل في أربع صور: حين تنقلب الحرية فوضى، وحين تصير الموضة تقليداً أعمى، وحين تُتّخذ المتعة هدفاً وحيداً، وحين يصبح الظهور أمام الآخرين هو المعيار الذي تُقاس به قيمة الإنسان. فالاعتراض عنده على انقلاب الوسيلة غايةً، لا على أصل المتعة.

مقاييسُ مستعارة: النجاح بالمتابعين والقيمة بالملبس

ويُنزل الكاتب هذا الحدّ على أمثلةٍ ملموسة. فمن الناس من صار يقيس نجاحه بعدد متابعيه، ويقيس قيمته بما يرتديه، ويقيس سعادته بما يراه الآخرون على الشاشة. والنتيجة التي يستخلصها أنّ صاحب هذا المقياس يركض خلف صورةٍ جميلة أمام الناس، بينما يزداد داخله فراغاً. والمفارقة التي يلتقطها المقال أنّ هذه المقاييس كلّها خارجية: أي إنّ الإنسان يسلّم تقدير نفسه إلى أعينٍ لا يملكها، فيصير رهناً لحكمٍ متقلّب لا سلطان له عليه.

الحرية في تعريف المقال: قدرةٌ على التمييز لا انطلاقٌ بلا حدّ

وأخطر ممّا سبق في نظر الكاتب أن تُقدَّم بعض السلوكيات غير اللائقة وكأنّها دليلٌ على القوّة أو التحرّر أو العيش على الهوى. ولذلك يقف عند لفظ الحرية ليعيد تعريفه: فهي عنده ليست أن يفعل المرء كلّ ما يخطر بباله، وإنّما أن يملك القدرة على التمييز بين ما يرفعه وما يهينه، وبين ما يبني مستقبله وما يهدمه. وعلى القياس نفسه يعيد تعريف الرجولة، فينفي أن تكون في الصوت العالي أو استعراض القوّة أو التقليل من الآخرين، ويجعلها في المسؤولية والاحترام وضبط النفس والقدرة على اختيار القرار الصحيح حين يكون الخطأ أيسر.

نصائح مرتّبة على منطقٍ واحد: أن تسبق الفقد

ثمّ ينتقل المقال إلى خطابٍ مباشر يوجّهه إلى الشباب، وفيه سلسلة نصائح يجمعها منطقٌ واحد هو أن يسبق الإنسانُ فواتَ الأوان: أن يعرف قيمة والديه قبل أن يفقدهما، وأن يحفظ كرامته قبل أن يجرحها أحد، وأن يختار أصدقاءه بنفسه قبل أن تختارهم له الحياة، وأن يتعلّم ويعمل ويحلم ويبني ذاته بدل انتظار من يمنحه قيمة. ويضيف إلى ذلك دعوةً إلى جيلٍ يحترم مجتمعه وعائلته وثقافته ويفتح عقله للمستقبل في آنٍ واحد، لا يختار أحد الأمرين على حساب الآخر.

السؤال الذي يُختم به: لا كيف أعيش بل ماذا يبقى منّي

ويسوق الكاتب في ختامه ملاحظتين عن الزمن: أنّ المرء قد يستخفّ اليوم بنصيحةٍ تأتيه من والدٍ أو معلّمٍ أو شيخ، ثمّ يبلغ به العمر مبلغاً يتمنّى عنده لو أنّه أصغى؛ وأنّ الشابّ قد يحسب العمر أمامه طويلاً، ثمّ يفاجئه أنّ سنواتٍ كثيرة مضت وأنّ فرصاً كانت في يده لم تعد موجودة. ومن هاتين يستخرج خلاصته: أنّ الحياة ليست ما يُعرض على الناس وإنّما ما يكونه المرء حين يخلو بنفسه. ولذلك يستبدل بالسؤال المعتاد سؤالاً آخر — لا كيف أعيش حياتي، بل ماذا سيبقى منّي حين تنتهي — ويدعو إلى ألّا يُنتظر الموت كي يبدأ الانتباه.