مقالٌ يصل هبّة عام 2000 بتفشّي الجريمة: ثلاثة عشر شهيداً في أيّامها الأولى من الداخل، ثمّ مجتمعٌ منشغلٌ بنزيفه
يطرح مقالٌ منشور سؤالاً على العلاقة بين لحظتين في تاريخ الفلسطينيين في الداخل: هبّة انتفاضة القدس والأقصى عام 2000، التي شارك فيها الداخل ودفع فيها ثمن استشهاد ثلاثة عشر شابّاً من أبنائه في أيّامها الأولى؛ وما تلاها من تصاعدٍ في الجريمة والعنف وانتشار السلاح والجريمة المنظّمة. ولا يزعم صاحب المقال أنّ الجريمة بدأت عام 2000 ولا أنّ سببها واحد، لكنّه يرى في التزامن سؤالاً يستحقّ الوقوف: هل كان استنزاف المجتمع من داخله جزءاً من سياسةٍ أوسع؟
اللحظة الأولى: الداخل في هبّة 2000
ينطلق المقال من أنّ انتفاضة القدس والأقصى عام 2000 لم تكن مواجهةً في ساحات القدس والضفة وغزة وحدها، بل كان للداخل الفلسطيني حضورٌ واضح في أيّامها الأولى، ودفع ثمناً باهظاً باستشهاد ثلاثة عشر شابّاً من أبنائه. ويقرأ الكاتب تلك الهبّة الجماهيرية بوصفها لحظةً كشفت قدرة المجتمع العربي في الداخل على الحشد والتحرّك حين يتّصل الأمر بقضيته الوطنية.
السؤال الذي يطرحه التزامن
ثمّ يسجّل أنّ السنوات التالية شهدت تحوّلاتٍ عميقة، أبرزها تصاعد الجريمة والعنف وانتشار السلاح والجريمة المنظّمة. ويحتاط الكاتب هنا: الجريمة لم تبدأ عام 2000، ولا تُختزل أسبابها في عاملٍ واحد. لكنّه يرى أنّ تزامن تصاعدها مع مرحلة ما بعد الهبّة يفتح سؤالاً يستحقّ التوقّف عنده — هل كان استنزاف المجتمع من داخله جزءاً من سياسةٍ أوسع لإضعاف قدرته على المواجهة؟
فرضيّةُ الإضعاف غير المباشر
ويعرض المقال قراءةً يقول إنّ كثيرين يذهبون إليها: أنّ المؤسّسة الإسرائيلية أدركت بعد الهبّة أنّ هذا المجتمع قادرٌ على إنتاج فعلٍ جماهيري واسع، وأنّ إضعافه لا يمرّ بالضرورة عبر المواجهة المباشرة وحدها، بل يمكن أن يمرّ عبر ترك أزماته الداخلية تتفاقم. وعلى هذا يُقرأ التغاضي عن انتشار السلاح والجريمة المنظّمة بوصفه عاملاً في إحداث شروخٍ داخلية وإشغال المجتمع بصراعاتٍ يتحمّل هو تبعاتها. ويحمّل الكاتب المؤسّسة الإسرائيلية جزءاً كبيراً من المسؤولية، ويتّهمها بالتكتّم على مصادر السلاح وتسريبه من مخازن الجيش.
مسؤوليةٌ لا تُنقل كلّها إلى الخارج
غير أنّ المقال لا يجعل التفسير خارجياً بالكامل. فهو يقول صراحةً إنّ ذلك لا يعني أنّ الجريمة صنيعُ عاملٍ واحد، ولا أنّ المجتمع بلا مسؤولية عن مواجهتها: ثمّة أسبابٌ اجتماعية واقتصادية وثقافية متشابكة، وثمّة مسؤولية فردية وجماعية لا تُتجاهل. لكنّ فهم الظاهرة — في رأيه — يحتاج أيضاً إلى النظر في البيئة السياسية والاقتصادية التي سمحت لها بالتغلغل.
الاقتصاد بوصفه مدخلاً إلى الجريمة
ويربط المقال بين اتّساع الجريمة المنظّمة وبين شبكاتٍ ومصالح اقتصادية تستفيد من الخوف والصمت والحاجة، وتتداخل معها الديون والضائقة المالية وما تفرضه القروض الربوية من أعباء. ويضيف أنّ سياسات الإفقار والتهميش وغياب الفرص أمام فئاتٍ من الشباب تجعل بعضهم أكثر عرضةً للانجذاب حين تُقدَّم الجريمة طريقاً مختصراً إلى المال والنفوذ.
ما يقترحه، وما يعدّه الخطر الأكبر
ولهذا يدعو الكاتب إلى خطّةٍ اقتصادية واجتماعية موازية لا تكتفي بمعالجة نتائج الفقر: بدائلُ مشروعة تُبنى أمام الشباب، وحصارٌ يُضرب على القروض الربوية وعلى الاستغلال الاقتصادي، ووعيٌ ماليّ يُنشر، وتدريبٌ مهنيّ وتعليمٌ يُعزَّزان، وفرصُ عملٍ تُفتح، ومشاريعُ صغيرة تُدعم. ويرى أنّ آثار الجريمة تتعدّى عدد الضحايا إلى بنية المجتمع نفسه: تزرع الخوف، وتعمّق الخلافات بين العائلات، وتستنزف الطاقات. ويختم بأنّ الأخطر ليس فقدان الأبناء في الجريمة وحده، بل أن يفقد المجتمع تدريجياً قدرته على الفعل الجماعي، وأن ينشغل بنزيفه حتى يعتاده.


