تحليل لوعي فلسطينيي الداخل بين العاطفة السياسية وصناعة الرؤية
مقال يستعرض تطور الوعي السياسي لدى الشباب من خلال تصحيح المفردات والتحول من رد الفعل الآني إلى الفهم البنيوي العميق للقضايا.
يتناول المقال طبيعة الوعي السياسي لدى فلسطينيي الداخل، مستذكراً دروساً أبوية مبكرة حول دقة المصطلحات. كان الوالد يصحح عبارة القدس الشرقية لتصبح الجزء الشرقي من القدس، ويبدل عرب إسرائيل بفلسطينيي ال48. لم يُفهم المغزى حينها، لكن الكلمات بقيت حاضرة في الذهن كدلالة على أهمية التسمية في تشكيل الهوية.
وأوضح الكاتب أن التصحيحات اللغوية لم تكن مجرد تدقيق، بل كانت درساً في الوعي السياسي. الكلمات ليست بريئة، فهي تحدد طريقة رؤية المكان والتاريخ. الفرق بين التسميات يكمن في نقطة البداية التي تروي منها الحكاية، مما يغير فهمنا للواقع دون تغيير الناس أو المكان نفسه.
وأكد أن الشاب لا يبدأ حياته السياسية من فراغ، بل يحمل قاموساً متوارثاً من البيت والإعلام. هذا القاموس يفرض افتراضات مسبقة حول الهوية والدولة وما هو طبيعي أو استثنائي. قد يكون تلقين السؤال أخطر من تلقين الإجابة، إذ نادراً ما ينتبه الإنسان إلى أن السؤال وصل إليه جاهزاً ومسبق الصياغة.
ولفت إلى أن السياسة حاضرة بقوة في حياة الشباب، لكن النقاش يغلب عليه الطابع العاطفي. يسود الغضب والخوف والفخر، بينما تبدو أدوات التحليل أضعف من حضور الحدث. يتم استهلاك التصريحات والمواجهات كجرعات عاطفية تمنح شعوراً مؤقتاً بالقوة، ثم يزول الأثر ويبقى الواقع كما هو.
وشدد على أن المشكلة تكمن في تحول العاطفة من دافع للفهم إلى بديل عنه. يغيب عن النقاش اليومي مفاهيم مثل الكولونيالية والاستعمار الاستيطاني والأبارتهايد. هذه المفاهيم ليست كلمات أكاديمية فائضة، بل هي أدوات تفكير تفتح آفاقاً للسؤال عن البنية وعلاقات القوة بدلاً من الاكتفاء بالحدث الآني.
ونوه إلى أن التركيز على الحقوق المدنية والميزانيات والخدمات قد طغى على الحقوق القومية وحق العودة. لا يعني ذلك التخلي عن المطالب المعيشية، لكن الخطر يكمن في تراجع حضور الهوية والذاكرة الجماعية في الخطاب اليومي. يجب ألا تصبح المساواة المدنية ثمناً للتنازل عن الحقوق الوطنية أو طمسها تدريجياً.
وختم بأن الوعي الحقيقي يتطلب الانتقال من الانفعال بالشخصيات إلى تحليل البنى والأنظمة. الامتحان الأصعب هو تطبيق النقد الذاتي على خطابنا وسياساتنا نحن. تبقى المعضلة الكبرى في غياب الرؤية الاستراتيجية الواضحة لما نريد تحقيقه لمستقبل مجتمعنا على المدى البعيد.


