عاجل
داخل
مقالات وآراء

نوّاف الطوري يحاجج لمشاركة فلسطينيّي الداخل في انتخابات الكنيست

ينشر موقع «كل العرب» في بابه للرأي مقالاً للدكتور نوّاف علي الطوري من رهط يحاجج فيه لمشاركة الفلسطينيين في الداخل في انتخابات الكنيست. وينقل المقالُ السؤالَ من موضعه المعتاد: ليس هل الواقعُ السياسي عادل — فهذا في نظره لا يحتاج إقناعاً — بل ما الوسيلةُ الأقدرُ على تقليص الظلم ومنعِ الأكثر عنصريةً من الانفراد بالقرار. ويقوم على ثلاث دعاوى: أنّ الامتناع لا يُبقي المقعد فارغاً بل يتيح لغيرك شغلَه، وأنّ كلّ مقعدٍ إضافي يغيّر حساباتِ تشكيل الائتلافات فيكون الفارقُ بين عشرة مقاعد وخمسةَ عشر هو الفارقَ بين الاعتراض وفرض الشروط، وأنّ الكتلَ الصغيرة تتحوّل في لحظات التوازن الحرج إلى قوّةٍ مرجّحة. ويستشهد بتجربة تشكيل الحكومة عام 2021 بوصفها دليلاً على أنّ تمثيلاً عربياً محدود العدد استطاع أن يدخل في حسابات الائتلاف والحكم، بصرف النظر عن تقييم تفاصيلها. ويقرن الكاتبُ حجّته بقيدين: أنّ المشاركة يجب أن تستند إلى برنامجٍ واضح وشروطٍ معلنة ورقابةٍ شعبية دائمة، وأنّ غايتها منعُ الأسوأ لا تحقيقُ العدالة الكاملة دفعةً واحدة.

4 دقائق قراءة
ينشر موقع «كل العرب» في بابه للرأي مقالاً للدكتور نوّاف علي الطوري من رهط يحاجج فيه لمشاركة الفلسطينيين في الد

سؤالٌ يُستبدل بسؤال

أوّلُ ما يفعله المقال أنّه يغيّر السؤال المطروح. فالسؤالُ الذي يُطرح عادةً في هذا النقاش هو: هل الواقعُ السياسي عادل؟ ويرى الكاتبُ أنّ جوابه واضحٌ لا يحتاج الفلسطينيّ إلى من يقنعه بحجم التمييز الذي يواجهه، وأنّ طرحَه بهذه الصيغة لا يفيد شيئاً لأنّه لا يفتح على قرار. فيضع مكانه سؤالاً آخر: ما الوسيلةُ الأكثر قدرةً على تقليص هذا الظلم وحماية المجتمع ومنعِ القوى الأكثر عنصرية من الانفراد بالقرار؟ ومن هذا التبديل تنشأ قاعدتُه في الحكم: ألّا يُقاس الموقفُ السياسي بنُبل شعاراته وحده بل بنتائجه الفعلية. وهو يسجّل في الوقت نفسه تفهّماً للدوافع الوطنية والأخلاقية التي قد تقف خلف خيار المقاطعة، فخصومتُه مع النتيجة لا مع النيّة.

ماذا يحدث للصوت الذي لا يُدلى به

الحجّةُ الأولى في المقال حجّةٌ عن الفراغ، وخلاصتُها أنّ الفراغ لا وجود له في الانتخابات. فالمقعدُ الذي يُخلِّفه الممتنعون لا يبقى خالياً وإنّما يشغله سواهم؛ والورقةُ التي لا تُلقى في الصندوق لا تُحفظ لصاحبها، بل تصير في الحساب العملي رصيداً إضافياً لمن هو أقوى تنظيماً وأوسعُ حضوراً. ويضرب لذلك صورةً ملموسة: إذا هبطت نسبةُ الاقتراع في بلداتنا فلن تتعطّل أجهزةُ الحكم ولن تتوقّف العمليةُ الانتخابية، وإنّما يُحسم أمرُها بأصوات غيرنا، ثمّ يجد المواطنُ نفسه أمام حكومةٍ لم يشارك في منعها وبرلمانٍ تُسَنّ فيه قوانين تمسّ حياته وحقوقه. وعلى هذا يبني نتيجةً أوسع: أنّ الاقتراع ليس مناسبةً شكلية تتكرّر كلّ بضع سنين، بل حلقةٌ في معركةٍ سياسية لا تتوقّف.

حسابُ المقاعد وأثرُه في تشكيل الحكومات

أمّا الحجّةُ الثانية فحسابيةٌ في ظاهرها وسياسيةٌ في مضمونها. فزيادةُ نسبة التصويت تعني عدداً أكبر من المقاعد التي تمثّل المجتمع، وكلُّ مقعدٍ يُضاف يبدّل الحسابَ الذي تُبنى عليه الائتلافات، ويضيّق على الأحزاب المتطرّفة سبيلَها إلى الاستئثار بالأغلبية. ويصوغ الكاتبُ ذلك في مقابلةٍ صريحة: قد يكون الفارقُ بين عشرة مقاعد وخمسةَ عشر هو نفسَه الفارقَ بين حكومةٍ يمينية تنفرد بالسلطة وواقعٍ سياسي تصبح فيه أصواتُ النوّاب العرب عنصراً لا يمكن تجاوزه. ويسند ذلك بقاعدةٍ في النظم البرلمانية: أنّ تشكيلَ الحكومة أو استمرارها قد يتوقّف على عددٍ محدود من المقاعد. فإذا صارت الكتلةُ العربية جزءاً من هذه المعادلة — من داخل الائتلاف أو بدعمٍ مشروط من خارجه — انتقلت من موقع تقديم الاعتراضات إلى موقع فرض الشروط.

ما يستطيعه النائبُ في المعارضة وما لا يستطيعه

وهنا يضع المقال معنى عنوانه. فالنائبُ في المعارضة يخطب ويعترض، ويتقدّم بالاستجوابات، ويحضر التظاهرات، ويشهر ما يراه ظلماً وتمييزاً. وهذه أدوارٌ يصفها الكاتبُ بالضرورية ولا يجيز التقليل من أهميّتها، لكنّه يراها قد لا تكفي وحدها لتغيير القرار. أمّا حين يصير لصوت الكتلة وزنٌ في تشكيل الحكومة أو إسقاطها فإنّ المطالب لا تبقى مناشداتٍ أخلاقية بل تتحوّل إلى شروطٍ سياسية مرتبطةٍ ببقاء الائتلاف نفسه. ويشدّ هذه الحجّةَ فرقٌ في التوقيت يذكره المقال: الاحتجاجُ يأتي غالباً بعد صدور القرار أو وقوع الضرر، والمشاركةُ المؤثّرة تتيح التدخّل قبل اتّخاذ القرار وفي أثناء صياغته وعند التصويت عليه. فالانتقالُ المقصود هو انتقالٌ من ردّ الفعل إلى المبادرة.

شروطُ المشاركة، وحدودُ ما يدّعيه المقال

يقرن الكاتبُ دعوته بقيدٍ يمنعها من أن تصير تفويضاً مفتوحاً. فالمشاركةُ في ائتلافٍ حكومي لا يجوز أن تكون بلا ضوابط، ولا أن يتحوّل النوّابُ العرب إلى غطاءٍ لسياساتٍ تتعارض مع مصالح ناخبيهم، والمشاركةُ التي لا تحقّق أثراً ملموساً قد تفقد معناها وثقةَ الجمهور بها. والمطلوبُ عنده مشاركةٌ تستند إلى برنامجٍ واضح وشروطٍ معلنة ورقابةٍ شعبية دائمة، ويعدّد لها ملفّاتٍ بعينها: سدُّ الفجوات في التعليم والإسكان وفي البنية التحتية؛ ومكافحةُ الجريمة والعنف؛ ووقفُ الهدم ومصادرةِ الأرض؛ والاعترافُ بالقرى المحرومة من الاعتراف؛ وحمايةُ المقدّسات؛ والدفاعُ عن الحقوق الوطنية والمدنية. ويصل هذه الملفّات بالقضية الفلسطينية في مفهومها الأشمل، فالنائبُ عنده لا يمثّل احتياجات بلدةٍ أو فئةٍ فحسب. وفي الأخير يحدّ المقالُ من سقف ما يَعِد به: المشاركةُ لا تأتي بالعدالة كاملةً في خطوةٍ واحدة، وإنّما تحجب الأسوأ وتفتح باباً إلى ما هو أفضل. والسياسةُ عنده، في كثيرٍ من وجوهها، مفاضلةٌ بين بدائلَ يتفاوت ضررُها لا مفاضلةٌ بين واقعٍ مثالي وواقعٍ سيّئ.

الدليلُ الذي يستشهد به، وما يتحفّظ عليه

يختار الكاتبُ سنداً تجريبياً واحداً لحجّته: ما أثبتته التجاربُ البرلمانية من أنّ الكتلَ الصغيرة قد تصير، عند اللحظات التي يتوازن فيها الطرفان توازناً حرجاً، مرجّحاً لا يقدر كبارُ الأحزاب على إغفاله. ويسمّي الواقعة: تجربةُ تشكيل الحكومة عام 2021، التي بيّنت في نظره أنّ تمثيلاً عربياً قليلَ العدد وجد له مدخلاً مباشراً إلى حساب الائتلاف والحكم. والأهمّ في استشهاده هو تحفّظُه: فهو يستعملها بصرف النظر عن تقييم تفاصيل تلك التجربة أو نتائجها، أي إنّه يستدلّ بها على إمكانٍ لا على نجاحٍ، ويستخلص منها حقيقةً واحدة — أنّ الصوت العربي حين يكون حاضراً ومنظّماً يصبح قادراً على تغيير خريطة التحالفات. وفي مقابل ذلك يوجّه إلى المقاطعة نقداً محدّداً: أنّها قد تُشعِر صاحبها بأنّه حفظ موقفاً احتجاجياً نقيّاً، وهي مع ذلك لا تحمل في نفسها خطّةً تقلب موازينَ القوى، لأنّ الانسحاب من الساحة لا يُفقدها أهميّتها بل يتركها مفتوحةً أمام الخصم.