عاجل
داخل
مقالات وآراء

مقالٌ يقلب على هرتسوغ عبارةَ «الجانب الخطأ من التاريخ»: مواضعُ خطأ بريطانيا عنده ثلاثةٌ — وعدُ بلفور، وحربُ السويس، وسنواتُ تعطيل الإدانات

يقوم المقال على مفارقةٍ يرصدها في كلام الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ. فالرجل نفسه الذي عدّ تصاعد اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين في الضفة عاراً على إسرائيل بوصفها ديمقراطية، ودعا إلى إنفاذٍ صارم للقانون ومحاكماتٍ عادلة، هو الذي رأى في القرار البريطاني بحظر تجارة سلع المستوطنات ما يضع لندن في الجانب الخطأ من التاريخ. ويقبل كاتب المقال الشقّ الأوّل ويعدّه كلاماً سليماً يقتضيه القانون والمنطق، ثمّ يردّ الشقّ الثاني بقلب العبارة على قائلها: إن كان ثمّة جانبٌ خطأ وقفت فيه بريطانيا فمواضعه في التاريخ معروفة، وأوّلها وعدُ بلفور. ويسوق المقال إلى جانب ذلك ما أعلنته الخارجية الإسرائيلية من خطواتٍ ردّاً على القرار البريطاني.

2 دقائق قراءة
يقوم المقال على مفارقةٍ يرصدها في كلام الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ. فالرجل نفسه الذي عدّ تصاعد اعتداءات الم

المنطلق: إدانةٌ يقبلها المقال

يبدأ المقال ممّا لا يختلف فيه مع الرئيس الإسرائيلي. فقد تصاعدت في الفترة الأخيرة اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين في الضفة الغربية، وعدّ هرتسوغ استمرارها عاراً على إسرائيل من حيث هي ديمقراطية. وفي مقابلةٍ أجراها في الثاني من الشهر الجاري مع شبكةٍ أمريكية قال إنّ السلطات كثّفت تحرّكها تجاه المجموعات الضالعة في هذه الاعتداءات، وحمّل الحكومة والأجهزة الأمنية مسؤولية مواجهتها، وشدّد على إنفاذ القانون بصرامة من الشرطة والجيش وعلى إحالة المتورّطين إلى محاكماتٍ عادلة أمام قضاةٍ يحكمون بأسسٍ موضوعية. ويعلّق المقال على هذا بأنّه كلامٌ سليم يقوله رئيس دولة، وأنّ معاقبة المجرمين مقتضى القانون والمنطق معاً.

الانعطاف: من إنفاذ القانون إلى الدفاع عن الأثر

لكنّ المقال يرصد بعد ذلك انعطافاً في الموقف نفسه. فحين انتقل الكلام من الاعتداءات إلى الإجراء الأجنبي الذي استُدعي بسببها، تبدّل منطق الرئيس في تقدير الكاتب من منطق المطالب بإنفاذ القانون إلى منطق المدافع عمّن يُنفَّذ عليهم. وموضع هذا التبدّل تصريحٌ ألقاه هرتسوغ في خطابٍ من القدس، رأى فيه أنّ المضيّ في فرض عقوباتٍ على المستوطنات في الضفة سيكون سوء تقدير، وأنّه سيضع من يفعله — بريطانيا ومن ينضمّ إليها — في الجانب الخطأ من التاريخ.

الردّ الأوّل: وعدُ بلفور

ومن هنا يبني المقال ردّه، فيقبل عبارة «الجانب الخطأ» ويعيد توجيهها. فالموضع الأوّل الذي وقفت فيه بريطانيا في هذا الجانب، عنده، هو وعد بلفور: وثيقةٌ أفضت في قراءته إلى اقتلاع شعبٍ من أرضه وإلى جعل تلك الأرض دولةً لقادمين من الشتات. أي إنّ الكاتب لا ينكر أنّ للندن سجلّاً من الأخطاء، بل يقول إنّ خطأها الكبير وقع قبل قرنٍ لا اليوم.

الردّ الثاني: حربُ عام ستّةٍ وخمسين

والموضع الثاني في هذا السجلّ حربُ قناة السويس عام ألفٍ وتسعمئة وستّةٍ وخمسين. فبريطانيا في تلك الحرب وقفت إلى جانب إسرائيل في مواجهة مصر، وهذا في تقدير المقال مثالٌ ثانٍ على الاصطفاف الذي يستحقّ الوصف الذي أطلقه هرتسوغ على القرار الراهن. والمقال يسوق المثالين متتاليين ليبني منهما مفارقةً واحدة: أنّ ما يُعاب اليوم هو نقيضُ ما كان يُفعل بالأمس.

الردّ الثالث: تعطيلُ التحرّك الدولي

أمّا الموضع الثالث فليس واقعةً بعينها بل سياسةً ممتدّة. فالمقال ينسب إلى المملكة المتحدة دوراً محورياً في منع أيّ تحرّكٍ دولي جادّ ضدّ إسرائيل، سواء في الأمم المتحدة أو في سائر المحافل، عبر تعطيل إداناتٍ وقراراتٍ كانت ستفرض قيوداً على النشاط الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية أو تأجيلها. وحصيلة ذلك عنده أنّ لندن أسهمت على مدى سنوات في ترسيخ الهيمنة الإسرائيلية ودعم استمرار الاحتلال والتوسّع الاستيطاني، مع علمها بما يقع من انتهاكٍ لحقوق الفلسطينيين.

الردّ الرسمي الإسرائيلي كما يورده المقال

ويضمّ المقال إلى حجّته ما أعلنته الخارجية الإسرائيلية ردّاً على الخطوة البريطانية. فوزيرها جدعون ساعر أعلن إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية، ومنع بريطانيا من المشاركة في بعثة التنسيق الخاصّة بغزّة التي تقودها الولايات المتحدة ويوجد مقرّها في إسرائيل. ووصف ساعر العقوبات بأنّها تدخّلٌ سافر في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة. ويختم المقال بملاحظةٍ تخصّ حجم الخطوة لا مضمونها: أنّ بريطانيا ليست وحدها في هذا القرار، فقد سبقتها أو رافقتها فرنسا وعشر دولٍ أخرى في حظر التجارة مع المستوطنات.