مقالٌ يسأل لماذا تُنسى أحداث الرواية وتبقى شخصيةٌ واحدة منها في الذاكرة، ويصل السؤال بأدوات الكتابة الجديدة: النصّ صار أسرع، وصناعة الإنسان الروائي ما زالت بطيئة
ينطلق مقالٌ في باب «منبر العرب» من ملاحظةٍ يعرفها القرّاء: أنّ أحداث روايةٍ قرأناها قد تغيب من الذاكرة، بينما تبقى شخصيةٌ واحدة منها حاضرةً كأنّها إنسانٌ التقيناه. ويردّ صاحب المقال ذلك إلى الفرق بين أن يكتب الروائي عن شخصية وأن يخلقها: فالشخصية عنده ليست اسماً ولا عمراً ولا قائمة صفات، بل كائنٌ سرديّ يتشكّل من الذاكرة والرغبة والخوف والتجربة. ويسوق أمثلةً من تولستوي وفلوبير ودوستويفسكي وهوغو ومحفوظ والطيّب صالح. ثمّ ينتهي إلى مفارقةٍ تخصّ زمننا: أنّ إنتاج النصّ صار أسرع بأدواتٍ منها الذكاء الاصطناعي، بينما بقيت الشخصية محتاجةً إلى زمنٍ داخليّ لا يُختصر.
السؤال الذي يفتح المقال
يبدأ المقال بسؤالين متّصلين: لماذا تبقى بعض الشخصيات في الذاكرة سنواتٍ طويلة بينما تتلاشى غيرها بعد طيّ الصفحة الأخيرة بقليل؟ ولماذا نشعر أحياناً، ونحن نستعيد ما قرأنا، أنّ الأحداث غابت بينما ظلّت شخصيةٌ واحدة حاضرة كأنّها شخصٌ عرفناه والتقيناه ذات يوم؟ والجواب الذي يميل إليه صاحب المقال أنّ الأمر يعود في جوهره إلى قدرةٍ عند الروائي: أن يخلق شخصيةً لها حياةٌ داخل النصّ وخارجه معاً. فالشخصية عنده ليست اسماً يُمنح لشخصٍ افتراضي، ولا عمراً ومهنةً وملامح تُدرج في سياق الحكاية، وإنّما كائنٌ سرديّ يتشكّل تدريجياً من الذاكرة والرغبة والخوف والتجربة والعلاقة بالآخر.
الفرق بين أن تكتب عن شخصية وأن تخلقها
ومن هنا يقيم المقال تمييزه المركزي. فالكاتب قد يبني حبكةً متماسكة، وقد يملك لغةً جميلة، وقد يعرف كيف يوزّع الأحداث والمفارقات، ومع ذلك تظلّ الرواية محتاجةً إلى ذلك الإنسان الذي يمنح هذه العناصر روحها: فالأحداث مهما اشتدّ تشويقها تحتاج إلى من يحملها، واللغة مهما بلغ جمالها تحتاج إلى تجربةٍ إنسانية تمنحها معناها. والكتابة عن الشخصية تقدّم معلوماتٍ عنها، أمّا خلقها فيحتاج إلى معرفةٍ أعمق بعالمها الداخلي. ويصوغ هذه المعرفة في أسئلةٍ صغيرة: ماذا تريد؟ وممّ تخاف؟ وماذا تخفي عن الآخرين؟ وما الذي تركه الماضي في روحها؟ وكيف تتصرّف أمام اختيارٍ صعب؟ وماذا تفعل حين تضيق أمامها سبل النجاة؟
الأمثلة: أسماءٌ خرجت من الورق
ويسوق المقال أسماءً يراها نجحت في العيش خارج صفحات رواياتها: آنا كارنينا عند تولستوي، ومدام بوفاري عند فلوبير، وراسكولنيكوف في «الجريمة والعقاب» لدوستويفسكي، وجان فالجان وكوزيت في «البؤساء» لفيكتور هوغو. وعند نجيب محفوظ يذكر أحمد عبد الجواد وسعيد مهران، وعند الطيّب صالح سعيد مصطفى، وفي «وليمة لأعشاب البحر» مهدي جواد وآسيا الخضر. والذي جمع بينها في رأيه أنّها لم تكن أدواتٍ لتحريك الأحداث، بل ملكت حياةً داخلية وذاكرةً ورغباتٍ ومخاوف وتناقضاتٍ وأحلاماً وانكسارات. ولذلك لا تنتهي حياتها بإغلاق الكتاب: فقد نعود إليها بعد سنوات، وقد نقارن بينها وبين أشخاصٍ نلتقيهم.
التناقض والتفصيل الصغير: ما يصنع الإقناع
ويقف المقال عند شرطين للإقناع. أوّلهما التناقض: فالشخصية المقنعة قد تخطئ وتصيب، وقد تتردّد وتتراجع، وقد تقول شيئاً وتفعل غيره — وهذه المساحة جزءٌ من إنسانيّتها، لأنّ الإنسان الذي نعرفه في الحياة لا يسير وفق منطقٍ واحد ولا يُختزل في صفةٍ واحدة. والثاني التفصيل الصغير: فطريقة الشخصية في الصمت، أو حركة يدها، أو علاقتها بمكان، أو ذكرى قديمة ترافقها، قد تكون أشدّ أثراً من صفحاتٍ طويلة يشرح فيها الكاتب صفاتها. والتفاصيل عنده لا تأتي للتزيين بل لمنح الشخصية خصوصيّتها، وكلّما نبعت من طبيعتها ومسار حياتها ازدادت قدرتها على الإقناع.
الشخصية لا تنشأ في فراغ
ويضيف المقال شرطاً ثالثاً ينقل النظر من داخل الشخصية إلى محيطها: أن تظلّ موصولةً بعالمها الذي تحيا فيه. فالمرء عنده ابنُ زمنه وبيئته وما ينسجه من صلاتٍ بغيره، ووعيُه إنّما يتكوّن ممّا يحتكّ به من الناس. ومن ثمّ فلا مولد لشخصيةٍ روائية في الفراغ: إنّما تنشأ وسط ظروفٍ وتحوّلاتٍ وصلاتٍ متشابكة. وبقدر ما ينجح الروائي في إدخال هذا المحيط في تكوينها، تزداد حضوراً وقدرةً على إقناع قارئها.
المفارقة الأخيرة: نصٌّ أسرع، وشخصيةٌ تحتاج وقتها
ومن هذا كلّه ينتقل المقال إلى سؤال الرواية في زمننا، حيث صارت الكتابة أيسر، وتعدّدت أدوات إنتاج النصوص، ودخل الذكاء الاصطناعي فضاء الكتابة والإبداع. فصار في الإمكان الحصول في وقتٍ قصير على أفكارٍ واقتراحاتٍ وأوصافٍ وحواراتٍ ومساراتٍ سردية. ويرى صاحب المقال أنّ هذه الأدوات قد تنفع الكاتب حين يستعملها بوعي، لكنّ سهولة إنتاج النصّ مسألةٌ غير القدرة على خلق إنسانٍ روائيّ مقنع: فالشخصية ليست معلوماتٍ تُجمع وتُرتَّب، ولا صفاتٍ تُوزَّع على الصفحات، بل خلاصة تجربةٍ ورؤيةٍ وحساسيةٍ تجاه الإنسان والحياة. وهنا تقع المفارقة التي يختم بها: أنّ الكاتب صار يستطيع أن يكتب في ساعاتٍ صفحاتٍ كثيرة، بينما الشخصية التي تستحقّ البقاء قد تحتاج زمناً أطول بكثير حتّى تتكوّن في وعيه ووجدانه.


