قراءةٌ نقدية لرانية مرجية في رواية «الحرية الحمراء» لشريف إبراهيم أحمد: بين الوثيقة والتخييل، ومأخذٌ على اكتمال صورة البطل
في قراءةٍ تأويلية موقّعة باسم رانية مرجية، تتناول الكاتبة رواية «الحرية الحمراء» لشريف إبراهيم أحمد، وترى أنّ العمل لا ينشغل باستعادة سيرة يحيى السنوار بوصفها سلسلة وقائع، بل بمحاولة الإمساك بالإنسان وهو يتشكّل في زمنٍ مضطرب ومكانٍ محاصر. وتلاحظ أنّ الروائي يعلن منذ البداية أنّ المتخيَّل يملأ ما غاب من التفاصيل، فيقف العمل في منطقةٍ بين الوثيقة والتخييل. وتسجّل على الرواية مأخذاً نقدياً: اكتمال الصورة البطولية للشخصية سلفاً يضيّق مساحة التناقض التي تمنحها عمقها.
الفرق الذي تنطلق منه القراءة
تفتتح الكاتبة قراءتها بتمييزٍ بين كتابة سيرة إنسانٍ وكتابة الأثر الذي خلّفته تلك السيرة في المكان والذاكرة، وترى أنّ رواية «الحرية الحمراء» تتحرّك بين هذين الأمرين. فهي، في تقديرها، لا تعنى بترتيب وقائع حياة يحيى السنوار بقدر ما تعنى بالإنسان وهو يتكوّن داخل زمنٍ مضطرب ومكانٍ مغلق وذاكرةٍ لا تكفّ عن استحضار الغائب.
بين الوثيقة والتخييل: إعلانٌ من الكاتب
تلاحظ القراءة أنّ الروائي يضع عمله منذ مستهلّه في منطقةٍ متداخلة بين الوثيقة والمتخيَّل، إذ يعلن أنّ ما نقص من التفاصيل تكمله المخيّلة. ونتيجة ذلك، وفق الكاتبة، أنّ النصّ لا يقدّم نفسه سجلّاً تاريخياً مكتملاً بل مادّةً لإعادة بناء الإنسان داخل الرواية.
تحويل السؤال: من الشخصية التاريخية إلى البناء السردي
تقترح الكاتبة أنّ السؤال الأجدى في مقاربة العمل ليس سؤال الهويّة التاريخية للشخصية، بل سؤالٌ عن كيفية صناعة التجربة لإنسانها، وعن الكيفية التي تعيد بها الكتابة تشكيل تلك التجربة بعد تحوّلها إلى ذاكرة. وبهذا تنتقل القراءة من الشخصية بوصفها موضوعاً تاريخياً إلى الشخصية بوصفها بناءً سردياً، فتصير الطفولة والسجن والنفق وغزة عناصر في تصوّرٍ للحرية لا مجرّد محطّاتٍ أو جغرافيا.
الطفولة بوصفها لحظة تكوينٍ لا مقدّمة
ترى القراءة أنّ الرواية تستعيد الشخصية في طفولتها ومدرستها، وتلتقط تفاصيل صغيرة في ظاهرها تؤدّي وظيفةً تأسيسية: التعلّم والصبر والإصرار على تجاوز الإخفاق. وحين تعود الشخصية إلى مدرستها القديمة فإنّها تعود، في تأويل الكاتبة، إلى نسخةٍ سابقة من ذاتها لا إلى بناءٍ حجري. وهكذا يسبق التكوين البطولة في بناء العمل.
المأخذ النقدي: بطلٌ مكتمل الصورة سلفاً
لا تخلو القراءة من مأخذ: فالشخصية تبدو في غير موضعٍ أسيرةَ صورةٍ بطولية تامّة سابقة على السرد، وذلك — بحسب الكاتبة — يضيّق حيّز التناقض والالتباس الذي منه يأتي العمق الإنساني للشخصية الروائية. وكلّما اكتملت صورة البطل قبل السرد ضاقت قدرة الشخصية على مفاجأة قارئها أو كشف مناطقها المتعارضة.
السجن مفارقةً، وما لا ترد الإجابة عنه
تعدّ الكاتبة السجن أكثر فضاءات الرواية إنتاجاً للمفارقة: فالمكان الموضوع كي يردّ صاحبه إلى جسدٍ مطوّق يصير عندها ميداناً يُعاد فيه بناء العقل، بكتبٍ تنتقل خفيةً وصفحاتٍ تُنسخ على أوراقٍ صغيرة ونقاشاتٍ تقرّب الزنزانة من الدرس. وتقرأ في تشبيه السجن بالجامعة تصوّراً أساسياً مفاده أنّ الحرية وعيٌ يسبق فتح الباب لا حدثٌ يبدأ عنده. ولا تعطي المادّة المرصودة دار النشر ولا سنة الصدور ولا عدد الصفحات، ولا رأياً نقدياً مقابلاً.


