مقالٌ يصل زيارةَ جدار برلين في ذكراه الخامسة والستّين بنتيجة انتخابات سكسونيا-أنهالت: الحجارةُ سقطت، والسؤالُ عن جدرانٍ تُبنى في الوعي
يقيم مقالٌ منشور في باب الرأي مقابلةً بين مشهدين ألمانيين. الأوّل زيارةٌ إلى برلين تزامنت مع الذكرى الخامسة والستّين لبناء الجدار الذي شطر المدينة، حيث يعبر الزائر اليوم بين شطريها بلا حاجزٍ ولا جندي. والثاني نتيجةُ انتخابات ولاية سكسونيا-أنهالت التي تصدّرها حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرّف بفارقٍ واسع عن الاتحاد الديمقراطي المسيحي. ومن المقابلة بين المشهدين يستخرج المقال سؤاله: هل تسقط الجدران حقّاً حين تُهدم حجارتها، أم يبقى منها ما يقيم في الذاكرة والسياسة وفي نظرة الناس بعضهم إلى بعض؟ ويصل الكاتب في خاتمته هذا السؤال بواقع الفلسطينيين في هذه البلاد، وبما يراه ازدواجيةً في الخطاب الإسرائيلي حين ينتقد صعود اليمين في أوروبا.
المشهد الأوّل: عبورٌ بلا حاجزٍ ولا جندي
ينطلق المقال من موقفٍ شخصي: زيارةٌ إلى برلين قبل أسابيع، صادفت استعادة المدينة ذكرى واحدةٍ من أقسى محطّاتها. فالجدار الذي شُيّد هناك فصل بين شطرٍ شرقيّ في دائرة النفوذ السوفييتي وشطرٍ غربيّ تديره القوى الغربية، ووقف الجنود على حواجزه يمنعون العبور. أمّا اليوم فيقول الكاتب إنّه عبر من الشرق إلى الغرب ومن الغرب إلى الشرق بلا حاجزٍ ولا جنديّ ولا جدار، حتّى بدت تلك الحدود وكأنّها لم تكن.
وقائعُ الجدار كما يوردها المقال
ويُثبت المقال إلى جانب الانطباع وقائع مؤرّخة. فالجدار بُني في الثالث عشر من آب عام ألفٍ وتسعمئة وواحدٍ وستّين بقرارٍ من قيادة ألمانيا الشرقية. وامتدّت منظومته وتحصيناتُه الحدودية نحو مئةٍ وخمسة وخمسين كيلومتراً حول برلين الغربية، وبقيت ثمانيةً وعشرين عاماً رمزاً من رموز الحرب الباردة. ثمّ سقط سلمياً في التاسع من تشرين الثاني عام ألفٍ وتسعمئة وتسعةٍ وثمانين، وتلا ذلك توحيد ألمانيا في الثالث من تشرين الأول من العام التالي. ويذكر الكاتب أنّ مرشدين من مؤسّسة جدار برلين يقفون عند بوّابة براندنبورغ للإجابة عن أسئلة الزائرين، وأنّ ثمّة معرضاً مفتوحاً بعنوان «مشاهد من الجدار».
المشهد الثاني: نتيجةٌ في ولايةٍ شرقية
وبعد أسابيع من الزيارة جاءت انتخابات ولاية سكسونيا-أنهالت لتضيف إلى تأمّل الكاتب بُعداً وصفه بالمقلق. فقد حقّق حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرّف نتيجةً كبيرة تصدّر بها المشهد في الولاية، وبفارقٍ واسع عن الاتحاد الديمقراطي المسيحي المحافظ، ونال عشرات المقاعد في برلمانها. ويرى المقال في ذلك ما يتجاوز تبدّلاً في الخريطة الحزبية، إلى مؤشّرٍ على تحوّلٍ في القيم التي حكمت البلاد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
المفارقة التي يبني عليها المقال حجّته
وحجّةُ الكاتب تقوم على مفارقة: ألمانيا التي جعلت من تجربة النازية جزءاً من ذاكرتها السياسية والأخلاقية، وأقامت بعد الحرب نظاماً ديمقراطياً يقوم على الحريات والتعدّدية وحقوق الإنسان، تشهد اليوم صعود حزبٍ يتبنّى خطاباً شديد التشدّد تجاه الهجرة واللاجئين. ويقابل بين هذا الخطاب وبين سياسة المستشارة السابقة أنجيلا ميركل في أزمة اللاجئين السوريين قبل نحو أحد عشر عاماً، حين دعت الدول الأوروبية إلى فتح أبوابها. ويلاحظ أنّ الأحزاب الرئيسية ترفض التعاون مع الحزب الصاعد على المستوى الاتحادي.
تحفّظٌ يسجّله الكاتب على قياسه
غير أنّ المقال لا يترك القياس التاريخي بلا قيد. فهو يقرّ بأنّ صعود الحزب لا يُختزل في ملفّ الهجرة وحده، وأنّه يستفيد من القلق الاجتماعي والاقتصادي ومن فقدان الثقة بالأحزاب التقليدية. ويقول صراحةً إنّ ألمانيا اليوم ليست ألمانيا الثلاثينيات، وإنّ لها مؤسّساتٍ ديمقراطية قوية ودستوراً يحمي النظام الديمقراطي ووعياً عميقاً بجرائم النازية. لكنّه يضيف أنّ التاريخ قد يعود لا في صورته نفسها، بل في هيئة أسئلةٍ ومخاوف وخطاباتٍ ينبغي التوقّف عندها مبكراً.
الخاتمة: من الجدار الإسمنتي إلى الجدار في الوعي
وينتهي المقال إلى أنّ زيارة الجدار ليست زيارةً إلى موقعٍ تاريخي فحسب، وأنّ أخطر الجدران ما يُبنى في الوعي وفي الخطاب وفي نظرة المرء إلى غيره. ومن هنا ينتقل إلى المحلّي: فالفلسطينيون في هذه البلاد، في قوله، يعانون أنواعاً من الجدران إسمنتيةً وعسكرية وحديدية، ومنها ما هو في الوعي والخطاب. ويختم بملاحظةٍ على الإعلام الإسرائيلي الذي ينتقد صعود اليمين في ولايةٍ ألمانية بينما يتجاهل، في رأي الكاتب، ما يمارسه ساسته تجاه سكّان البلاد الأصلانيين.


