مقالٌ يستعير من ليبيا الإيطالية مصطلح «المواطنة الناقصة» ليقرأ به نهج «الموحّدة»: حين تُمنح جنسيةٌ محدودة جغرافياً بدل المساواة
يبني مقالٌ حجّته على واقعةٍ تاريخية من ليبيا تحت الاستعمار الإيطالي: انقسامٌ بين من حمل السلاح ومن اختار التكيّف، وأشكالٌ متدرّجة لهذا التكيّف تبدأ بالتفاوض البراغماتي والتعاون الإداري وتنتهي عند القبول باندماجٍ مشروط سُمّي «المواطنة الناقصة». وأقصى درجاته، في قراءة الكاتب، تبنّي أيديولوجيا المستعمِر: «الرابطة الإسلامية للّكتور» التي أسّسها الحاكم الإيطالي فرعاً إسلامياً للحزب الوطني الفاشي، ومنظّمة «شباب اللّكتور العرب» التي عملت على دمج الشبّان في الرياضة والتنظيمات شبه العسكرية وبناء إسلامٍ رسميّ موالٍ. ومع ذلك لم تُمنح الجنسية الكاملة، بل «مواطنة خاصّة» محدودة جغرافياً بلا حقوقٍ متساوية ولا حرّية انتقالٍ كالإيطالي. ومن هذا النموذج ينتقل المقال إلى الحاضر، فيقرأ به نهج منصور عبّاس والقائمة الموحّدة.
النموذجُ التاريخي: درجاتٌ للتكيّف لا درجةٌ واحدة
ينطلق المقال من أنّ الاستعمار الإيطالي أحدث في ليبيا انقساماً حادّاً: فريقٌ رأى في السلاح سبيل التحرّر الوحيد، وفريقٌ اختار التكيّف مع المحتلّ اتّقاءً لويلات الصراع. ويشدّد الكاتب على أنّ التعاون لم يكن درجةً واحدة، بل سلّماً يبدأ بالتفاوض البراغماتي والتعاون الإداري، ويمرّ بالاستيعاب الثقافي الذي عُرف بـ«الطلينة»، وينتهي عند القبول بالاندماج المشروط.
أقصى الدرجات: مؤسّساتٌ إسلامية داخل بنية الحزب الفاشي
وأصعب هذه الحالات — كما يعرضها المقال — تبنّي أيديولوجيا المستعمِر نفسها. ومثاله أنّ الحاكم الإيطالي أسّس «الرابطة الإسلامية للّكتور» بوصفها فرعاً إسلامياً تابعاً للحزب الوطني الفاشي، وأُنشئت إلى جانبها منظّمة شبابية باسم «شباب اللّكتور العرب». وكان من أبرز أهداف الرابطة إدماج الشبّان في الرياضة والتنظيمات شبه العسكرية، وبناء إسلامٍ رسميّ موالٍ للاستعمار. فهي إذاً لم تكن مجلس خدماتٍ محلّياً، بل جزءاً من بنية الحزب الحاكم أُنشئ لتعزيز التعاون الأيديولوجي.
المقابل الذي لم يُدفع: مواطنةٌ محدودة جغرافياً
غير أنّ هذا التماهي لم يُقابَل بما يوازيه: فالسلطات الإيطالية لم تمنح المتعاونين الجنسية الكاملة، بل منحت بعض الليبيين ما سمّته «مواطنة خاصّة» محدودة جغرافياً، لا تتيح حقوقاً متساوية ولا حرّية انتقالٍ كتلك التي للمواطن الإيطالي. وهذه المفارقة — أقصى الولاء مقابل أدنى الحقوق — هي مفصل الحجّة التي يبني عليها المقال ما بعدها.
الإسقاط على الحاضر: من قضيةٍ حقوقية إلى مقايضةٍ خدماتية
وباستدعاء هذا النموذج، يرى الكاتب أنّ النقاش التقليدي حول جدوى المشاركة في الكنيست يأخذ منحىً آخر: منحى الوعي وانزياح المفاهيم. ويقول إنّ أنظمة الهيمنة تتشابه في آليّة صناعة «نخبٍ خادمة» تروّج لخطاب المقايضة، ويضع في هذا الموضع منصور عبّاس وقائمته، مستنداً إلى قاعدةٍ ينسبها إلى نهجهم مؤدّاها أنّ تحسين علاقة الدولة بالمجتمع العربي يقتضي أن يتغيّر هو أوّلاً — ومن تجلّياتها الموقف من قانون القومية والتنازل عن الثوابت في الخطاب الرسمي. وخطورة ذلك عنده أنّه ينقل قضية فلسطينيي الداخل من كونها حقوقية وقومية وتاريخية إلى مسألة ميزانياتٍ وخدمات.
ما الذي يُنتجه هذا المسار في الوعي، على قراءة الكاتب
ويمضي المقال إلى أثرٍ تراكمي: أنّ استجداء الحقوق بدل المطالبة بها استحقاقاً طبيعياً يُنشئ مع الوقت جيلاً يستبطن الدونية السياسية ويقنع بألّا يتجاوز سقفُ طموحه تحسين ظروف المعيشة داخل هيكلٍ قانوني يكرّس التمييز. ويضيف إلى ذلك تفتيتاً للهوية الجماعية، إذ يتقدّم الانشغال المطلبيّ المحلّي على الهمّ الوطني المشترك. وكما سعت الرابطة في النموذج الليبي إلى صياغة إسلامٍ رسميّ موالٍ لتدجين الشباب، يرى الكاتب أنّ النهج المنتقَد يسهم — بقصدٍ أو بغيره — في صياغة مواطنٍ يقبل الفصل بين هويّته القومية وواقعه المدني.
خلاصةُ المقال: مفترقٌ لا مناورةٌ برلمانية
ويختم الكاتب بأنّ ما يجري ليس مناورةً برلمانية عابرة بل مسارٌ متدحرج، وأنّ الصمت عنه أو التماهي معه تسليمٌ بمواطنةٍ ناقصة. وهذه هي الحلقة التي تُغلق بها الحجّة على أوّلها: مصطلحٌ وُلد في ليبيا تحت الاستعمار الإيطالي، يُستعاد اليوم ليوصف به خيارٌ سياسي قائم — مع ما في الإسقاط التاريخي من مسافةٍ بين الحالتين يقرّ بها القارئ قبل الكاتب.


