تقريرٌ حقوقي مشترك يتتبّع أربع حالاتٍ في الضفة ويقول إنّ ما بدا إجراءاتٍ متفرّقة مسارٌ واحد: من موسم قطافٍ يُقاس بيومين إلى خمسمئة دونمٍ لطريقٍ بين مستوطنتين
صدر تقريرٌ أعدّته ثلاث منظّمات حقوقية إسرائيلية بعنوان «أقصى مساحة، أدنى عدد من السكّان»، وهي «يش دين»، و«بمكوم» المعنيّة بالتخطيط وحقوق الإنسان، و«هموكيد» مركز الدفاع عن الفرد. ويقول التقرير إنّ سياسات السيطرة على الأرض التي تركّزت سنواتٍ في التجمّعات الصغيرة والمعزولة داخل المنطقة «ج» صارت تطال اليوم بلداتٍ ومناطق أوسع في عمق الضفة الغربية. وتوثَّق فيه أربع حالات: حرمانُ مزارعين من بلوغ أراضيهم، وتطويقُ تجمّعٍ فلسطيني ببؤرٍ استيطانية، وعزلُ بلدةٍ عن أرضها الزراعية، وإعادةُ الاستيطان في شمال الضفة. ويخلص معدّوه إلى أنّ ما قد يُقرأ سلسلةَ أحداثٍ منفصلة هو في تقديرهم مسارٌ متّصل يجمع التوسّع الاستيطاني والبؤر الرعوية وعنف المستوطنين وتقييد الحركة، وأنّ حصيلته دفعُ الفلسطينيين بعيداً عن أراضيهم وحصرُهم في مساحةٍ تضيق.
التقرير: ثلاث جهاتٍ وأربع حالات
أعدّ التقريرَ ثلاثُ منظّمات حقوقية إسرائيلية تعمل في حقولٍ متجاورة: «يش دين»، و«بمكوم» المختصّة بالتخطيط وحقوق الإنسان، و«هموكيد» وهو مركز الدفاع عن الفرد. وعنوانه — «أقصى مساحة، أدنى عدد من السكّان» — مأخوذٌ من صيغةٍ سياسية معلنة، إذ يربط معدّوه بينه وبين رؤيةٍ طرحها الوزير بتسلئيل سموتريتش بهذا الشعار. أمّا مبناه فأربع حالاتٍ موثّقة يقرؤها بوصفها مراحل في مسارٍ واحد لا وقائع متفرّقة.
الحالة الأولى: موسم قطافٍ اختُصر إلى يومين
تبدأ الحالات من «منطقة التماس»، حيث فُرضت بعد السابع من تشرين الأوّل عام ألفين وثلاثةٍ وعشرين قيودٌ على وصول المزارعين الفلسطينيين إلى أراضيهم. وقد قُدّمت هذه القيود في مبتدئها بوصفها إجراءات طوارئ مؤقّتة، لكنّها في قراءة التقرير استقرّت واقعاً دائماً يحرم أصحاب الأرض من بلوغها بانتظام. ومن الأمثلة التي يعرضها حالُ المزارع عدنان قبها، الذي مُنع من الوصول إلى زيتونه في موسمَي القطاف لعامَي ألفين وثلاثةٍ وعشرين وألفين وأربعةٍ وعشرين، ثمّ لم يُسمح له في العام التالي ببلوغ أرضه أكثر من يومين.
الرمانة: منازل في المنطقة «أ» وبؤرٌ تحيط بها
والحالة الثانية في تجمّع الرمانة قرب أريحا، وفيها مفارقةٌ إدارية: منازل التجمّع تقع ضمن المنطقة «أ»، أي داخل التصنيف الذي يفترض أدنى قدرٍ من التدخّل، ومع ذلك بات محاطاً ببؤرٍ استيطانية رعوية. ويسجّل التقرير أنّ السكّان يتعرّضون لاعتداءات ومضايقات متكرّرة، وأنّ حركتهم مقيّدة في الدخول إلى تجمّعهم والخروج منه. ويرى معدّوه في هذه الحالة دليلاً على أنّ السياسة تجاوزت المنطقة «ج» إلى ما هو خارجها.
سنجل: سياجٌ ومئتا شجرة ونطاقٌ يضيق
والحالة الثالثة في سنجل، وهي بلدةٌ فلسطينية كبيرة مصنّفة في المنطقة «ب». وبحسب التقرير أدّى تراكم البؤر الاستيطانية والأسوار والإغلاقات وعنف المستوطنين إلى فصل أهلها تدريجاً عن أرضهم الزراعية. فالبؤر الرعوية المقامة شمالها أوجدت تواصلاً استيطانياً يصل بين شيلو وعيلي ومعاليه ليفونا، وقطعت امتداد البلدة الفلسطيني شمالاً وشرقاً، فيما استولى مستوطنون على مساحاتٍ جنوبها. وخلال إقامة السياج حولها اقتُلع أكثر من مئتَي شجرة، منها مئةٌ وخمسٌ وثلاثون شجرة زيتون، وجُرّفت أراضٍ زراعية. والنتيجة كما يصفها التقرير أنّ بلوغ بعض الأطراف صار بالغ الخطورة وبعضها الآخر شبه متعذّر.
شمال الضفة: عودةٌ إلى ما أُخلي عام ألفين وخمسة
والحالة الرابعة في المساحة الواقعة بين نابلس وجنين، حيث أُخليت ضمن خطّة فكّ الارتباط عام ألفين وخمسة أربع مستوطنات هي حومش وسانور وغانيم وكاديم. ويوثّق التقرير أنّ القيود التي كانت تمنع الإسرائيليين من العودة إلى تلك المساحة أُزيلت تدريجاً منذ عام ألفين وثلاثةٍ وعشرين، وأنّ حومش أُعيد الاستيطان فيها، وأنّ خطواتٍ دُفعت لإعادة إقامة سانور فيما تتقدّم خطواتٌ أخرى تخصّ غانيم وكاديم. ويرافق ذلك تبدّلٌ في البنية التحتية وفي انتشار الجيش، وأبرز شواهده أمرٌ صدر في كانون الأوّل من عام ألفين وخمسةٍ وعشرين بالاستيلاء على قرابة خمسمئة دونمٍ من أراضٍ فلسطينية خاصّة، الغاية منه شقّ طريقٍ يتجاوز طوله ستّة كيلومترات يصل حومش بسانور.
خلاصة معدّي التقرير: ضمٌّ يتحقّق على الأرض
ويجمع البيان المشترك الصادر عن المنظّمات الثلاث هذه الحالات في قراءةٍ واحدة. فما يجري في تقديرها ليس وقائع محلّية متفرّقة، بل سياسةٌ غايتها السيطرة على أكبر مساحةٍ ممكنة وحصر الفلسطينيين في أضيقها. وتقول إنّ ما طُبّق سنواتٍ على التجمّعات الصغيرة يمتدّ اليوم إلى بلداتٍ ومناطق كاملة، وإنّ المستوطنات والبؤر وعنف المستوطنين وقيود الحركة ليست ملفّاتٍ منفصلة بل أدواتٌ تخدم غايةً واحدة. وخلاصتها أنّ الضمّ والتهجير ينتقلان من مشروعٍ سياسي معلن إلى واقعٍ يُفرض يوماً بعد يوم.


