مقالٌ يميّز بين قداسة الوحي ونسبيّة الفهم البشري له: حين يصير التفسيرُ في منزلة النصّ، ينتقل معيار الحكم من سؤال العدل إلى سؤال المنفعة الجماعية
يقوم المقال على أطروحةٍ واحدة يفصّلها على مستويات: أنّ تحويل الدين إلى أيديولوجيا ليس تبدّلاً في طريقة الفهم أو التفسير وحدها، بل أثرٌ يمتدّ إلى بنية المجتمع والثقافة والسلطة والعلاقات بين الجماعات. ويحدّد صاحبه موضع الخطر بدقّة: ليس في اختلاف الناس في فهم الدين، فذلك ملازمٌ للتجربة الإنسانية، وإنّما في ترقية فهمٍ بشريٍّ بعينه إلى مرتبة الحقيقة المطلقة، ثمّ اتّخاذ تلك الحقيقة معياراً للحكم على الآخرين، ثمّ بناء منظومةٍ اجتماعية وسياسية على أساس ذلك الحكم. ويستشهد في مواضعه بآياتٍ من سور النساء والأنعام والممتحنة.
أين يقع الخطر بالضبط
يفتح المقال بتحديدٍ لموضع المشكلة، لأنّ الخلط في تحديدها يفسد كلّ ما يليها. فالتعدّد في الفهم والاجتهاد — كما يقول — ظاهرةٌ ملازمة للتجربة الإنسانية ولا خطر فيها. الخطر يبدأ عند ثلاث خطواتٍ متتالية: أن يُرفع فهمٌ بشريٌّ معيّن إلى مرتبة المطلق، ثمّ يُتّخذ معياراً يُحاكم به الآخرون، ثمّ يُبنى على هذه المحاكمة نظامٌ اجتماعي وسياسي. وعند هذه النقطة يرى الكاتب أنّ الانتقال قد تمّ: من رسالةٍ ذات أفقٍ أخلاقي إلى مشروعٍ للصراع على الإنسان والمجتمع.
حين يصير التفسير في منزلة النصّ
ويضع المقال إصبعه على خلطٍ يعدّه أصل الباب كلّه: الخلط بين قداسة الوحي ونسبيّة الفهم البشري له. فمتى صار التفسير البشري في الوعي الأيديولوجي بمنزلة النصّ، ترتّبت عليه سلسلةٌ من النتائج: الاعتراض على التفسير يُقرأ اعتراضاً على الدين، والمراجعة تُقرأ خروجاً على الجماعة، والنقد يُقرأ فعلاً عدائياً. وحصيلة ذلك أنّ المرء يعجز عن التمييز بين ما هو إلهيّ وما هو بشري، وبين الثابت وما يقبل التأويل.
انقلابُ المعيار: الولاء موضع العدل
أوّل النتائج في ترتيب المقال هو تراجع القيمة الأخلاقية لحساب قيمة الانتماء. فحين تصير الجماعة مرجعاً أعلى، يُقاس المرء بولائه لا بعدله، ويُنظر إلى الموقف بحسب قائله لا بحسب صوابه، فيُقبل الخطأ إن صدر عن «نحن» ويُردّ الصواب إن جاء من «الآخر». ويصوغ الكاتب هذا الانقلاب في سؤالين متقابلين: السؤال الذي يغيب هو هل هذا الفعل عادل، والسؤال الذي يحلّ محلّه هو هل يخدم جماعتنا. وخطورة النقلة عنده أنّها تُخرج الأخلاق من باب المبادئ إلى باب الاصطفاف.
آيةٌ تضع القسط فوق الانتماء
ويقابل المقال هذا المنطق بآيةٍ من سورة النساء يستشهد بمطلعها: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: 135]، ويقرأ فيها قاعدةً تجعل القيمة رهناً بالقدرة على مناصرة العدل حتى إذا وقع على النفس أو على الأقربين. ويخلص إلى أنّ العدل في هذا التصوّر لا ينقسم قسمين — عدلاً للجماعة وعدلاً لسواها — وأنّ ذلك يناقض من أساسه منطقاً يجعل الجماعة ميزاناً للحقيقة.
العقلُ حين يُستعمل في غير وظيفته
ثمّ ينتقل الأثر — في تحليل المقال — من الأخلاق إلى بنية العقل. فالأيديولوجيا المغلقة محتاجةٌ إلى تثبيت منظومتها، فتميل إلى مقاومة السؤال الذي يكشف تناقضاتها وإلى تضييق مساحة التفكير المخالف لنتائجها المسبقة. والملاحظة الدقيقة هنا أنّ العقل لا يُلغى بالضرورة بل يبقى حاضراً، لكنّه يُصرف عن وظيفته: من أداةٍ تبحث عن الحقيقة إلى أداةٍ تدافع عن موقفٍ سابقٍ عليها. ويستشهد الكاتب في هذا الموضع بقوله تعالى ﴿هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ﴾ [الأنعام: 50] ليجعل التفكّر وسيلةً لتجاوز القوالب الجاهزة لا ترفاً.
التعدّد: مشكلةٌ تُحسم أم واقعٌ يُدار
وآخر ما يعالجه المقال أثران متّصلان. الأوّل ضعف القدرة على التعايش مع التنوّع: فالأيديولوجيا المغلقة تقرأ التعدّد مشكلةً ينبغي حسمها لا واقعاً ينبغي تدبيره، فيتحوّل الاختلاف الفكري إلى شكٍّ في النيّات، والديني إلى تهديدٍ للهويّة، والسياسي إلى خيانة، حتى ينتهي الأمر إلى قطيعة. ويستشهد هنا بآية سورة الممتحنة في مطلعها ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾ [الممتحنة: 8] ليقيم فرقاً بين مجرّد الاختلاف وبين العدوان. والأثر الثاني اقتصاديٌّ حضاري: أنّ الإبداع يحتاج بيئةً تحتمل السؤال والتجربة والخطأ والتصحيح، وأنّ بيئةً تجعل كلّ اختلافٍ تهمةً وكلّ مراجعةٍ تمرّداً إنّما تُنتج إنساناً متردّداً يكرّر المألوف.


