قراءةٌ في «منبر العرب» تجعل الظلّ مفتاحاً لرواية أحلام مستغانمي: الجسد حاضرٌ مادّياً وغائبٌ في وعي الآخرين، والفجوة بين الحضورين هي ما تُبنى عليه الحكاية
تقترح قراءةٌ تحليلية نُشرت في باب «منبر العرب» مدخلاً واحداً إلى رواية «ذاكرة جسد» لأحلام مستغانمي: ثنائية الحضور والغياب. فالجسد في هذه القراءة ليس كياناً مادّياً فحسب، بل مساحةٌ رمزية يتراكم فيها التوتّر بين الواقع والذكرى وبين الذات ومحيطها. أمّا الظلّ فليس انعكاساً للجسد، بل ما يبقى منه في المكان والزمن بعد أن يغيب. وتستدعي القراءة في تحليلها أسماءً من خارج النقد العربي — ناعومي وولف وإدوارد سعيد وجان بول سارتر وتودوروف — لتقول إنّ ما تفعله الرواية بالبنية السردية هو تجسيدٌ لهذه الفجوة نفسها: حاضرٌ يصير مرآةً للغائب، وغائبٌ يبقى حاضراً بأثره.
المدخل: ثنائيةٌ واحدة تُقرأ بها الرواية كلّها
تنطلق هذه القراءة من اختيارٍ منهجيّ واضح: أن تُقرأ رواية «ذاكرة جسد» لأحلام مستغانمي عبر ثنائيةٍ واحدة هي الحضور والغياب، وأن يُجعل الجسد محورها. وتعدّ الرواية في هذا الإطار نموذجاً بارزاً على السرد العربي المعاصر الذي يشتغل على الأبعاد النفسية والجسدية للإنسان في صراعه مع الذاكرة والحبّ والهوية. فالجسد عندها ليس شيئاً مادّياً يُوصف، بل مساحةٌ رمزية تترسّب فيها التوتّرات: بين ما وقع وما يُستعاد، وبين الذات ومحيطها الذي يعرفها أو ينساها.
الجسد الحاضر الغائب: أن تكون موجوداً ولا تكون في وعي أحد
تصوغ القراءة مفارقتها الأساسية على النحو الآتي: أن يكون الجسد قائماً في العالم المادّي وغائباً في الوقت نفسه عن الوعي الجمعي والعاطفي لمن حوله. وتستعين في ذلك بناعومي وولف التي ترى أنّ الجسد في الأدب الحديث كثيراً ما يمثّل موضع الصراع بين الذات والعالم الخارجي، فيتأرجح بين وجودٍ وغياب. وتضمّ إليها إدوارد سعيد في ما كتبه عن الاغتراب والهوية، حيث يصير الجسد مسرحاً للغربة حين ينقطع تواصله مع نفسه ومع محيطه. وتقرأ القراءة على هذا الضوء شخصية حنان ومرآتها الجسدية التي تتذكّر وتنسى في آنٍ واحد.
الظلّ: ما يبقى بعد أن يمضي صاحبه
أطرف ما في هذه القراءة معالجتها للظلّ. فهو عندها ليس امتداداً بصرياً للجسد، بل امتدادٌ للذاكرة والهوية: أثرٌ يتركه الجسد في المكان والزمان ويظلّ قائماً حتّى بعد أن يغيب صاحبه. وتستحضر هنا جان بول سارتر لتقول إنّ غياب الجسد الفعليّ لا يعني اختفاء الشخص، إذ يبقى أثره النفسي والاجتماعي حاضراً في من عرفوه. ومن هذا الباب يصير الظلّ في الرواية أداةً للتأمّل الذاتي: به تستعيد الشخصيات أحاسيسها وتعيد صوغ ما مضى من علاقاتها، فيلتقي الجسد والهوية والذاكرة في نقطةٍ واحدة.
البنية السردية: أن تُبنى الحكاية على الفجوة نفسها
لا تكتفي القراءة بتتبّع الثنائية في المضامين، بل تذهب إلى أنّ الرواية جسّدتها في طريقة بنائها. فتشير إلى تودوروف في قوله إنّ الرواية الحديثة كثيراً ما تُقيم سرديّتها حول الفجوة بين حضور الشخصية بجسدها وغيابها بمعناها. وترى أنّ مستغانمي وظّفت أسلوباً يمزج السرد الداخلي بالخارجي ليعكس حالة الاغتراب النفسي والجسدي معاً. ويتجلّى ذلك في المشاهد التي تتداخل فيها الذكرى بالواقع، حيث يصير الحاضر مرآةً للغائب، ويبقى الغائب حاضراً عبر أثره في الجسد واللغة والذاكرة.
الخلاصة: شبكةٌ رمزية لا مفتاحٌ واحد
تنتهي القراءة إلى أنّ الجسد والظلّ والحضور والغياب لا تُقرأ عناصر منفصلة، بل شبكةً رمزية متشابكة تعكس صراع الإنسان مع ذاته وذاكرته وهويته. وبتحليل هذه الثنائية يتّضح كيف تتحرّك الرواية بين المستوى المادّي والمستوى المعنوي، وبين الواقع والذاكرة، فتقدّم تجربةً سردية مفتوحة على التأمّل الفلسفي والنفسي. فالجسد الغائب مادّياً حاضرٌ رمزياً، والظلّ شاهدٌ على ما لم يعد قائماً — وبهذا تصير الرواية في نظر صاحب القراءة نموذجاً على ما بلغه الأدب العربي الحديث في معالجة هذه الأسئلة.


