الاسمُ المستعار يحوّل الاختلاف المشروع إلى إساءة
يعالج مقالٌ نُشر في باب الرأي ظاهرةً يصفها بأنّها موجودة في كلّ مجتمع: أناسٌ لا يرون نجاح غيرهم إلّا انتقاصاً من ذواتهم، فيتحوّل عجزُهم عن بلوغ ما أرادوا إلى حقدٍ على من اجتهد ونجح. ويقول الكاتب إنّ خطورة الظاهرة تتضاعف حين تحتمي بأسماءٍ مستعارة وحساباتٍ مجهولة على وسائل التواصل، فيصير الاختلافُ المشروع إساءةً، والنقدُ تشهيراً، وحرّيةُ التعبير أداةً للنيل من كرامة الناس. ويرى أنّ هذا السلوك لا يدلّ على قوّة بل يكشف عجزاً عن مواجهة النجاح بالحجّة والإنجاز، وأنّ ضرره يصيب المجتمع قبل من يستهدفهم. ويختم بنصيحةٍ للمجتهدين: دعوا النتائج تتحدّث عنكم.
عجزٌ يتحوّل إلى حقد
ينطلق المقال من توصيفٍ عامّ لا يخصّ مجتمعاً بعينه: في كلّ مجتمع من لا يستطيع تجاوز أحقاده، ومن لا يرى في نجاح الآخرين إلّا انتقاصاً من نفسه. والآليةُ التي يرسمها الكاتب لهذا التحوّل بسيطة ومتسلسلة: العجز عن تحقيق الأحلام الشخصية يتحوّل حقداً على كلّ من اجتهد فنجح، ثمّ يتحوّل الحقد إلى محاولةٍ دائمة للنيل ممّن صنعوا لأنفسهم مكاناً بجهدهم وعملهم وإصرارهم. أي إنّ المشكلة عنده تبدأ داخلية قبل أن تُوجَّه إلى الخارج.
حين يصير القناع أداةً
ثمّ ينتقل إلى ما يعدّه العامل المضاعِف للخطورة: اختباء هذا السلوك وراء أسماءٍ مستعارة وحساباتٍ مجهولة في وسائل التواصل الاجتماعي. وعند هذه النقطة تنقلب ثلاثةُ أشياء إلى أضدادها في صياغة الكاتب: الاختلاف المشروع يصير إساءة، والنقد يصير تشهيراً، وحرّية التعبير تصير وسيلةً للنيل من كرامة الآخرين. وحكمُه على ذلك أنّه لا يدلّ على قوّةٍ ولا شجاعة، بل يكشف في الغالب فراغاً داخلياً وعجزاً عن مقارعة النجاح بالحجّة والعمل.
الاختلاف حقٌّ والاحترام غيرُ مشروط
ويقابل الكاتب هذا السلوك بموقفٍ يعلنه عن نفسه. فالاختلاف عنده حقّ، وتعدّد الآراء ظاهرةٌ طبيعية في المجتمعات الحيّة، واحترام الإنسان لا ينبغي أن يكون مرهوناً باتّفاقنا معه. ولذلك — كما يقول — لم يجعل خلافه مع أحدٍ مبرّراً لإهانته أو التشهير به. ويسند ذلك بقاعدةٍ يصوغها في جملة: من يثق بموقفه لا يحتاج إلى إسقاط غيره ليثبت نفسه. ويضيف إلى ذلك أنّ خدمة المجتمع لا تكون بالصمت عن الخلل ولا بالتستّر على الأخطاء، وإنّما بالإسهام في كشفها والعمل على إصلاحها.
ما لا يخفيه الاسم المستعار
وفي الفقرة التي يلخّص بها تجربته يقول إنّ الأقنعة لا تدوم، وإنّ الحقيقة قد تتأخّر لكنّها لا تموت. ويشرح ذلك بتمييزٍ دقيق: الأشخاص يستطيعون أن يختبئوا، أمّا آثار أفعالهم فلا تختبئ؛ والكلمات قد تُمحى من الشاشات، لكن حقيقتها تبقى في ذاكرة المجتمع. ثمّ ينقل الضرر من دائرته الشخصية إلى دائرةٍ أوسع، إذ يرى أنّ من يجعل الحقد مشروعاً والإساءة وسيلة لا يؤذي من يستهدفهم بقدر ما يؤذي المجتمع الذي يعيش فيه، لأنّ انتشار ثقافة التشهير يُفقد المجتمع شيئاً من ثقته بنفسه ومن قدرته على التقدّم.
نصيحةٌ للمجتهدين وأمنيةٌ للآخرين
ويختم بخطابٍ مزدوج. فإلى كلّ ناجحٍ مجتهد يقول: لا تدع ضجيج الحاقدين يسرق منك هدوء الطريق، ولا تُرهق نفسك بإقناع من قرّروا ألّا يروا فيك إلّا ما يريدون، ولا بالردّ على كلّ إساءة، وواصِل العمل ودَع النتائج تتحدّث عنك — فالتاريخ، في رأيه، لا يحتفظ بأسماء من أمضوا أعمارهم في التشهير بل بأسماء من تركوا أثراً في حياة الناس. وأمّا الذين اختاروا الطريق الآخر فيوجّه إليهم أمنيةً بصيغةٍ هادئة: أن يطول بهم العمر حتى يجدوا من الوقت ما يكفي لمراجعة أنفسهم، وحتى يكتشفوا أنّ الحياة أوسع من الحقد.


