د. كامل ريان يحذّر من «الطهرانية السياسية»: الترفّع عن ميدان الفعل موقفٌ له ثمن، وعدم القرار قرارٌ أيضاً
في مقالٍ موقّع باسمه، يعرض الدكتور كامل ريان رئيس مركز أمان أطروحةً عن ظاهرةٍ يسمّيها «الطهرانية السياسية»: أن يتصوّر المرء أنّ السياسة لا تليق به لكثرة ما فيها من تعقيدٍ ومساومة، فيختار موقع المراقب بعيداً عن نقاط التماس. ويبني ريان كلامه على سيرةٍ عملية يعدّدها — رئاسة مجلس كفر برا خمسة عشر عاماً، ونيابة المدير العام في الحكم المحلّي أكثر من خمسة وعشرين عاماً، وتأسيس جمعية الأقصى ومركز أمان — لا ليحصّن رأيه من النقد كما يقول، بل ليسند خلاصته: أنّ المسافة بين الموقف السياسي وثمنه الذي يدفعه المواطن أقصر ممّا يُتصوّر.
من أين يتكلّم صاحب المقال
يفتتح الكاتب مقاله بتحديد موقع كلامه: ليس رأياً عابراً ولا تنظيراً من بعيد، بل خلاصة تجربةٍ بدأت في التاسعة عشرة من عمره واستمرّت حتى اليوم، عاش خلالها العمل العام من مواقع مختلفة وكان مراراً داخل نقاط التماس التي يُتّخذ فيها القرار وتظهر نتائجه على الناس. ويعدّد محطّاته: انتماءٌ إلى التيار الإسلامي بمسؤولياتٍ قيادية، ورئاسة مجلس كفر برا خمسة عشر عاماً، وعملٌ في الحكم المحلّي نائباً للمدير العام أكثر من خمسة وعشرين عاماً، وتأسيس جمعية الأقصى لرعاية الأوقاف الإسلامية ورئاستها نحو خمسة وعشرين عاماً، وتأسيس مركز أمان — المركز العربي لمجتمع آمن — الذي يقول إنّه نال الصفة الاستشارية لدى الأمم المتحدة، وعضويةٌ في لجنة المتابعة العليا عشرات السنين.
لماذا يسرد سيرته
يبادر الكاتب إلى نفي ما قد يُفهم من هذا السرد، فيقول إنّه لا يذكر محطّاته تفاخراً ولا ليمنح رأيه حصانةً من النقد، وإنّما ليبيّن أنّ ما يطرحه حصيلة تجربةٍ طويلة في السياسة والإدارة والحكم المحلّي والعمل الأهلي ومواجهة قضايا الناس. وهي تجربةٌ يقول إنّها كشفت له بجلاءٍ قصر المسافة الفاصلة بين موقفٍ يُتّخذ في السياسة وفاتورةٍ يسدّدها المواطن، قصراً يفوق ما يخطر عادةً في البال.
الطلب الوحيد: أن تعرف أنّ الامتناع اختيار
لا يقدّم الكاتب وصفةً جاهزة ولا يطلب من قارئه أن يتبعه في موقفٍ أو خيار، بل يطلب — على حدّ تعبيره — شيئاً أبسط وأصعب في آنٍ واحد: أن يفكّر القارئ ثمّ يقدّر ثمّ يقرّر، أو حتى أن يقرّر ألّا يقرّر. لكنّه يشترط وعياً بأنّ عدم القرار هو ذاته قرار، وأنّ الابتعاد عن السياسة لا يعني الابتعاد عن نتائجها. ويستحضر لهذا حكمةً تُنسب إلى أفلاطون مفادها أنّ ثمن الترفّع عن إدارة الشأن العام أن يحكمك في النهاية من لا يقيم لكرامتك اعتباراً، ويقرن بها قولاً بالمعنى نفسه لنجم الدين أربكان: إن لم تشارك في السياسة شارك بها غيرك وقرّر مصيرك.
الظاهرة التي يخشاها، والقضايا التي لا تنتظر
الخوف الذي يعلنه الكاتب يتجاوز الخلاف السياسي نفسه إلى ما يسمّيه «الطهرانية السياسية»، ويصفها بأنّها ظنُّ المرء أنّ في السياسة من التعقيد والمساومة ما ينزّهه عنها، فيختار لنفسه موقعاً بعيداً عن الاحتكاك يكتفي فيه بالمشاهدة: يصف الحريق وهو مشتعل ثمّ يتنازع مع غيره في نسبة إشعاله إلى فاعل. ويردّ على ذلك بأنّ الوصف لا يُغني من تلفحه النار، وبقائمةٍ من التحدّيات التي يقول إنّها ليست نظرية: الجريمة والعنف، وأزمة الثقة بالمؤسّسات، والفقر والفجوات، والتعليم، والأرض والمسكن، ومكانة السلطات المحلّية، والحقوق المدنية والسياسية.
التمييزات الثلاثة، والخلاصة
لا يدعو الكاتب إلى بيع المواقف ولا إلى التنازل عن الهويّة ولا إلى تبرير الخطأ لأنّ صاحبه من المعسكر نفسه، كما لا يدعو إلى اعتبار كلّ مشاركةٍ نجاحاً أو كلّ تحالفٍ حكمة أو كلّ تنازلٍ واقعية. والمطلوب عنده أن يُحسن المرء الفصل في ثلاثة مواضع يسهل الخلط فيها: فلا يُحسب تحريكُ المصالح بمرونةٍ تفريطاً في المبدأ، ولا يُحسب العجز عن التأثير طهارةً سياسية، ولا يُحسب الانسحاب من ميدان الفعل بأسره صوناً للثوابت. فالسياسة في وصفه ليست مكاناً للأطهار وحدهم ولا للمتاجرين بالمبادئ، بل ميدانٌ صعب يحتاج إلى عقلٍ بارد وضميرٍ حيّ. ويختم بأنّ أخطر ما يمكن فعله هو الوقوف على الهامش ثمّ الغضب لأنّ من دخلوا الملعب سجّلوا الأهداف.


