عيسى داوود العيسى صاحبُ جريدة «فلسطين» الذي نُفي إلى الأناضول
يقف في مقدّمة الأسماء الصحافية والسياسية والأدبية في يافا خلال النصف الأوّل من القرن العشرين اسمُ عيسى داوود العيسى. وُلد في المدينة سنة 1878 وتوفّي في بيروت سنة 1950، وتوزّعت حياته بين فلسطين ولبنان ومصر. تعلّم في كلّية الفرير بيافا ثمّ في مدرسة كفتين الأرثوذكسية في لبنان، وأكمل دراسته العليا في الجامعة الأمريكية ببيروت، وأتقن أربع لغاتٍ هي العربية والتركية والفرنسية والإنجليزية. وفي سنة 1911 أسّس في يافا جريدة «فلسطين» التي عُرفت بمواقفها القومية وبتحذيرها المبكر من المشروع الصهيوني، فاحتجبت ونُفي صاحبها إلى الأناضول. ثمّ كان في دمشق سكرتيراً خاصّاً للأمير فيصل بن الحسين ورئيساً لديوانه الملكي، وعاد بعدها إلى يافا فأعاد إصدار جريدته، وكان من أبرز المدافعين عن عروبة الطائفة الأرثوذكسية ومن مؤسّسي حزب الدفاع الوطني.
نشأةٌ بين يافا وكفتين وبيروت
وُلد عيسى داوود العيسى في يافا سنة 1878، وفيها كانت بدايته التعليمية في كلّية الفرير. ثمّ انتقل إلى لبنان فدرس في مدرسة كفتين الأرثوذكسية، وأكمل دراسته العليا في الجامعة الأمريكية في بيروت. وحصيلةُ هذا المسار أربع لغاتٍ أتقنها: العربية والتركية والفرنسية والإنجليزية — وهي تركيبةٌ تفسّر الكثير ممّا جاء بعدها، إذ جمعت له لغةَ الدولة العثمانية ولغتَي المستعمرَين الأوروبيَّين إلى لغته الأمّ. وقد عاش جانباً من حياته متنقّلاً بين فلسطين ولبنان ومصر، وشغل في العهد العثماني عدداً من الوظائف في فلسطين ومصر قبل أن يتّجه إلى العمل الصحافي.
«فلسطين» سنة 1911 وثمنُها النفي
في سنة 1911 أسّس في يافا جريدة «فلسطين»، وهي العمل الذي ارتبط به اسمه أكثر من سواه. وعُرفت الجريدة بمواقفها القومية وبتحذيرها المبكر من مخاطر المشروع الصهيوني، في وقتٍ كانت فيه المسألة لا تزال في أوّلها ولم تتبلور بعدُ في وعي كثيرين. ولم يمرّ هذا الخطّ بلا ثمن: احتجبت الجريدة، ونُفي صاحبها إلى الأناضول. وهذه الحادثة وحدها تحدّد موقع «فلسطين» في صحافة تلك المرحلة، إذ تجاوز أثرها ما تنشره إلى أن صارت محلّ إجراءٍ من السلطة نفسها.
في دمشق: «ألف باء» ورئاسة الديوان
ومع دخول الجيش العربي بقيادة الملك فيصل بن الحسين الهاشمي إلى دمشق، انتقل العيسى إلى طورٍ آخر من عمله. فأصدر هناك جريدةً قومية حملت اسم «ألف باء»، ثمّ اختاره الأمير فيصل سكرتيراً خاصّاً له، فرئيساً للديوان الملكي. واستمرّ في هذه المهمّة حتى دخلت القوات الفرنسية سوريا وتقلّص الحكم العربي فيها. وهكذا جمعت سيرتُه في سنواتٍ قليلة بين موقع الصحافي الذي يكتب عن السلطة وموقع الموظّف الأوّل في ديوانها، وهو جمعٌ يكشف كيف كانت الصحافة آنذاك مدخلاً إلى العمل السياسي المباشر.
العودة إلى يافا وإحياء الجريدة
بعد انتهاء التجربة الدمشقية عاد إلى يافا واستأنف نشاطه الصحافي، فأعاد إصدار جريدة «فلسطين» من جديد. وجعل منها — بحسب ما يُروى عن تلك المرحلة — منبراً للأقلام الحرّة وللقضايا الوطنية والقومية، لا صحيفةَ أخبارٍ محلّية فحسب. وبهذه العودة استعادت يافا صوتها الصحافي الأبرز في سنوات الانتداب، وصارت الجريدة إحدى العلامات التي تُذكر حين تُذكر المدينة في ذلك الطور من تاريخها.
عروبةُ الأرثوذكس وحزب الدفاع الوطني
ولم ينحصر نشاطه في الصحافة. فقد كان من أبرز المدافعين عن عروبة الطائفة الأرثوذكسية، وقاوم هيمنة الرهبان اليونانيين على شؤونها، ودعا إلى تحرير الطائفة العربية الأرثوذكسية من تلك السيطرة باعتبارها جزءاً من الأمّة العربية، وترأّس في هذا الباب عدّة مؤتمراتٍ أرثوذكسية عربية. وإلى جانب ذلك كان عضواً في مجلس إدارة بنك الأمّة العربية، وشارك في جمعياتٍ خيرية عدّة، إسلاميةٍ ومسيحية معاً، وكان من الأعضاء المؤسّسين لحزب الدفاع الوطني في فلسطين. وبين هذه المواقع كلّها خيطٌ واحد: العمل العامّ بوصفه امتداداً لما كان يكتبه في جريدته.


