«عنوان العامل»: خمسون عاملاً قضوا وأربعمئة وأربعةٌ وأربعون أُصيبوا في مواقع العمل منذ مطلع العام، والسقوط من علوٍّ في مقدّمة الأسباب
نشرت جمعية «عنوان العامل» معطياتٍ عن إصابات العمل في البلاد منذ بداية العام الجاري، جاء فيها أنّ خمسين عاملاً لقوا حتفهم وأنّ أربعمئة وأربعةً وأربعين آخرين أُصيبوا. والقطاع الأكثر تعرّضاً بحسب المعطيات هو البناء. وتضع الجمعية في مقدّمة أسباب الوفاة السقوط من الأماكن المرتفعة، يليه الدهس والاصطدام والحوادث المرتبطة بتشغيل المركبات والآليات والمعدّات الثقيلة داخل مواقع العمل. وتضع الأرقامُ ملفّ السلامة المهنية أمام سؤالٍ عن الرقابة على تطبيق الأنظمة، وعمّا يُتّخذ بحقّ من لا يلتزم بها من أصحاب عملٍ ومقاولين.
حصيلةُ العام الجاري كما نشرتها الجمعية
المعطيات التي أوردتها جمعية «عنوان العامل» تغطّي الفترة الممتدّة من مطلع العام الجاري حتى تاريخ النشر. وفيها أنّ عدد العمّال الذين قضوا في حوادث وقعت في مواقع عملهم بلغ خمسين، وأنّ عدد المصابين بلغ أربعمئة وأربعةً وأربعين. والقطاع الذي يتصدّر هذه الحصيلة، بحسب الجمعية، هو قطاع البناء. وهي أرقامٌ لا تصف حادثاً بعينه بل نمطاً متكرّراً، وهذا التكرار هو ما يجعلها مؤشّراً على حال السلامة المهنية لا مجرّد إحصاءٍ سنوي.
كيف تقع الإصابات: أنماطٌ ثلاثة تتقدّمها المرتفعات
وتردّ الجمعية معظم ما يقع إلى ظروف عملٍ خطرة، وتُجمل أنماطه في ثلاثة. أوّلها وأخطرها السقوط من الأماكن المرتفعة، وهو السبب الأبرز للوفاة ولا سيّما في مواقع البناء. وثانيها الدهس والاصطدام بالمركبات والآليات العاملة داخل الموقع. وثالثها ما يرتبط باستعمال المعدّات المختلفة والآليات الثقيلة أثناء العمل. والقاسم المشترك بين الأنماط الثلاثة أنّها كلّها متّصلةٌ بترتيب الموقع وبتجهيز العامل، لا بقضاءٍ لا يُدفع.
سنةٌ سابقة للمقارنة: واحدٌ وثمانون قتيلاً وسبعمئة وأربعةٌ وثلاثون مصاباً
ولقراءة أرقام هذا العام يلزم ما يُقاس عليه. وتوفّره الجمعية بمعطيات العام الماضي، إذ قضى خلاله واحدٌ وثمانون عاملاً وأُصيب سبعمئة وأربعةٌ وثلاثون. والأهمّ في تلك الحصيلة تفصيلٌ داخلها: ستّمئة وثمانية وعشرون من المصابين كانت إصاباتهم مصنّفةً بين المتوسّطة والخطيرة، أي إنّ الغالبية العظمى منهم لم تكن إصابتها طفيفة. وهذا التفصيل يغيّر معنى الرقم الإجمالي: فالحديث عن مئاتٍ من العمّال خرجوا من مواقعهم بأذىً بالغ لا عابر.
موضعُ الخلل في رأي الجهات الحقوقية والنقابية: الرقابة لا الوعي
وترافق هذه المعطيات انتقاداتٌ متواصلة من جهاتٍ حقوقية ونقابية لواقع السلامة المهنية. ومحور الانتقاد عندها ليس جهل العامل بالخطر، بل قصورٌ في الرقابة على تطبيق أنظمة السلامة والوقاية. ويُضاف إليه في نظرها غيابُ إجراءاتٍ رادعة بحقّ أصحاب العمل والمقاولين الذين لا يوفّرون شروط عملٍ آمنة. أي إنّ التشخيص يضع المسؤولية عند طرفٍ يملك تغيير الظروف، لا عند من يعمل داخلها.
ما تطالب به هذه الجهات: وقايةٌ قبل الحادث لا معالجةٌ بعده
وتنقسم مطالب هذه الجهات إلى شقّين. شقٌّ رقابي: تشديد الرقابة على أصحاب العمل والمقاولين، وفرض عقوباتٍ ذات أثرٍ فعلي على المخالفين، وتكثيف عمليات التفتيش على المواقع. وشقٌّ وقائي: ضمان توفير معدّات الحماية الشخصية للعاملين، والالتزام الصارم بمعايير السلامة. والمنطق الجامع بينهما، كما تصوغه هذه الجهات، هو الانتقال من معالجة نتائج الحوادث بعد وقوعها إلى الحيلولة دون وقوعها ابتداءً.
ما لا تظهره الأرقام: ما يقع على العائلة بعد الحادث
ويبقى في هذا الملفّ ما لا تلتقطه الإحصاءات. فتداعيات إصابة العمل لا تتوقّف عند العامل نفسه، بل تمتدّ إلى أسرته، وخصوصاً حين تُفضي الإصابة إلى عجزٍ مؤقّت أو دائم عن العمل. وأقسى الحالات ما تفقد فيه الأسرة من كان مصدر دخلها الأساسي. وهكذا يتحوّل الحادث الواحد من رقمٍ في جدولٍ سنوي إلى انقطاعٍ في معيشة بيتٍ بأكمله، وهو البعد الذي تشير إليه الجمعية في قراءتها لهذه المعطيات.


