عاجل
داخل
فلسطينيات

إصابةُ فلسطيني بالرصاص في محيط فقّوعة وروايتان لملابسات الحادثة

أُصيب مواطنٌ فلسطيني في ساقه بإطلاق نارٍ في محيط بلدة فقّوعة شرق جنين يوم السبت، وأعلن الجيش الإسرائيلي أنّه بدأ فحص ملابسات الحادثة. والواقعةُ محلُّ روايتين تفترقان في نقطة البداية لا في النتيجة. فالمصادرُ الفلسطينية تقول إنّ الحادث تلا دخولَ مستوطنين إلى محيط منازل وأراضٍ في البلدة، فخرج سكّانٌ لمنعهم من الاقتراب، فأطلق أحدُ المستوطنين النار فأصاب مواطناً في قدمه، ثمّ وصلت مجموعةٌ أخرى قال الأهالي إنّها تابعة للقوّات الإسرائيلية وتبعها إطلاقُ نارٍ داخل البلدة، واحتُجز في ما بعد أكثرُ من ثلاثين من أصحاب المنازل القريبة. أمّا التقاريرُ الإسرائيلية فتستند إلى فحصٍ أوّلي مفادُه أنّ راعي أغنامٍ إسرائيلياً خرج من مزرعة «زيت لجلبوع» برفقة جنديٍّ يؤمّن حمايته، وأنّه استشعر خطراً من فلسطينيين من البلدة المجاورة، فوصلت تعزيزاتٌ عسكرية، وأطلق أحدُ الجنود النار في الهواء أوّلاً ثمّ باتّجاه الجزء السفلي من جسم أحد الفلسطينيين. ونشرت وسائلُ إعلام فلسطينية مقاطعَ مصوّرة وصفتها بأنّها تُظهر بعضَ ما جرى هناك.

3 دقائق قراءة
أُصيب مواطنٌ فلسطيني في ساقه بإطلاق نارٍ في محيط بلدة فقّوعة شرق جنين يوم السبت، وأعلن الجيش الإسرائيلي أنّه ب

ما لا يختلف عليه أحد

قبل الرواية وضدّها، ثمّة قدرٌ من الواقعة لا تنازع عليه في المادّة المرصودة. أُطلقت نارٌ في محيط بلدة فقّوعة شرق جنين يوم السبت، فأُصيب مواطنٌ فلسطيني في ساقه ونُقل إلى المستشفى، وأعلن الجيشُ الإسرائيلي أنّه بدأ فحصَ ملابسات ما جرى. هذا هو الحدّ المشترك. وما بعده — من بدأ، ومن أطلق، وماذا كان يفعل الطرفان قبل الطلقة الأولى — يتفرّع إلى مسارين لا يلتقيان في نقطة بدايتهما. وتنبيهُ المادّة نفسها إلى قيام روايتين هو جزءٌ من الخبر لا هامشٌ عليه، لأنّ اختيار إحداهما وإسقاطَ الأخرى يحوّل التقرير إلى موقف.

الرواية الفلسطينية: الأرض أوّلاً

تبدأ الرواية الأولى، وفق ما تنقله مصادرُ فلسطينية، من دخول مستوطنين إلى محيط منازل وأراضٍ في البلدة. وعلى إثر ذلك خرج عددٌ من السكّان إلى المنطقة محاولين منعَهم من الاقتراب من أراضيهم. ثمّ أطلق أحدُ المستوطنين النار في اتّجاه أحد المواطنين فأصابه في قدمه. وبعد ذلك وصلت مجموعةٌ أخرى قال الأهالي إنّها تابعة للقوّات الإسرائيلية، وتبع وصولَها إطلاقُ نارٍ داخل البلدة. وتضيف المصادرُ فصلاً أخيراً: دخولُ القوّات إلى المنطقة واحتجازُها أكثر من ثلاثين مواطناً من أصحاب المنازل القريبة، وسببُ الاحتجاز المذكور هو خروجُهم من بيوتهم في أثناء الأحداث. أي أنّ هذه الرواية تضع النزاعَ على الأرض في أصل الحادثة، وتجعل إطلاقَ النار فعلَ مستوطنٍ لا فعلَ جيش.

الرواية الإسرائيلية: الحماية أوّلاً

الرواية الثانية مستندةٌ إلى فحصٍ أوّلي تنقله تقاريرُ إسرائيلية، وتبدأ من موضعٍ مغاير تماماً: راعي أغنامٍ إسرائيلي خرج من مزرعة «زيت لجلبوع» يرعى أغنامه، وبرفقته جنديٌّ مهمّتُه تأمينُ حمايته. وفي مرحلةٍ لاحقة استشعر الراعي خطراً من فلسطينيين من البلدة المجاورة، فوصلت تعزيزاتٌ عسكرية إلى المنطقة. وتقول الروايةُ نفسها إنّ القوّة الموجودة استشعرت تهديداً بعد أن بدأ فلسطينيون يتجمّعون حول الراعي، وإنّ من بين من وصلوا جنديّاً في الخدمة النظامية كان ضمن تعزيزاتٍ أُرسلت إلى الضفة الغربية في الأيّام الأخيرة. فمركزُ هذه الرواية إذن هو شعورُ التهديد، وما قبله رعيٌ محميّ لا اقترابٌ من منازل.

الطلقة في الهواء ثمّ الطلقة في الساق

أدقُّ ما في الفحص الأوّلي هو وصفُ تسلسل إطلاق النار نفسه، لأنّه يفصح عن تقدير القوّة للموقف لحظةً بلحظة. فبحسب هذا الفحص، أطلق أحدُ الجنود النار في الهواء في البداية، ثمّ أطلقها بعد ذلك في اتّجاه الجزء السفلي من جسم أحد الفلسطينيين، فأُصيب في ساقه ونُقل إلى المستشفى. وهذا التدرّجُ — تحذيرٌ ثمّ إصابةٌ موجّهة إلى أسفل الجسم — هو ما تستند إليه الروايةُ الإسرائيلية في تقديم ما جرى بوصفه استجابةً متدرّجة لخطرٍ مستشعر. وهو في الوقت نفسه ما تنفيه الروايةُ الفلسطينية من أصله، إذ تقول إنّ إطلاق النار لم يأتِ في سياق مواجهاتٍ مسلّحة، وإنّ الأهالي كانوا يحاولون منعَ المستوطنين من الاقتراب من بيوتهم وأراضيهم.

تسجيلاتٌ متداولة، وما تُظهره

إلى جانب الروايتين ثمّة مادّةٌ مصوّرة. فقد تداولت وسائلُ إعلام فلسطينية تسجيلاتٍ قالت إنّها توثّق جانباً من الأحداث في محيط فقّوعة. ويظهر في بعضها إطلاقُ نارٍ في الهواء، ويظهر في أحد المقاطع جنديٌّ يطلق النار، ثمّ يسقط أحدُ الفلسطينيين مصاباً في ساقه، فيُرى أشخاصٌ في المكان يبعدونه عن المنطقة ويقدّمون له الإسعافات الأوّلية. وحدودُ ما تثبته هذه المقاطع ينبغي أن تُقال بصراحة: هي تثبت وقوعَ إطلاق النار وهويّةَ من أطلق في المشهد المصوّر وإصابةَ المصاب، ولا تثبت ما سبق التصوير — أي من دخل أوّلاً ولماذا تجمّع الناس — وهو بالضبط موضعُ الخلاف بين الروايتين.

فراغٌ في منتصف الخبر

خلاصةُ ما تقدّم أنّ تفاصيل أساسية تتعلّق ببداية الحادث وبتسلسل ما جرى قبل إصابة المواطن تبقى موضعَ روايتين مختلفتين، في انتظار استكمال التحقيقات وورود معلوماتٍ إضافية من الجهات المعنية. وهذا الفراغُ ليس تفصيلاً هامشياً بل هو منتصفُ الخبر: فعليه يتوقّف تصنيفُ الواقعة — هل هي اعتداءُ مستوطنين تلاه تدخّلُ جيش، أم استجابةُ قوّةٍ لتهديدٍ استشعرته حول راعٍ تحت الحماية. والجهةُ التي أعلنت فتحَ الفحص هي الجيشُ الإسرائيلي، أي أحدُ الطرفين المعنيّين بالواقعة، وهو ما يجعل انتظارَ نتيجته انتظاراً لروايةِ طرفٍ لا لحكمِ جهةٍ خارجة.