زهير دعيم يوازن بين حضارةٍ وفيرة وهدأةِ بالٍ مفقودة
ينشر موقع «كل العرب» مقالاً للكاتب زهير دعيم في باب الرأي، عنوانُه حنينٌ إلى زمنٍ مضى، لكنّه حنينٌ لا يزيّن ما يحنّ إليه. فالكاتبُ يبدأ باعترافٍ بأنّ تلك الأيّام كان فيها فقرٌ وعوزٌ ومرض، ثمّ يقول إنّها مع ذلك رَفَلت بالمحبّة والقناعة والمسامحة، وإنّ الناس لم يعرفوا فيها الطوائف ولا التحزّبات. ولا ينكر في المقابل ميزاتِ التقنية المتقدّمة ورونقَ الحضارة ورغَدَ العيش، غير أنّه يرى لهذه الحضارة ضريبةً يدفعها الإنسان من إنسانيّته، ويستشهد بنشرة أخبارٍ لا تكاد تخلو من حربٍ أو انفجارٍ أو رصاص. ويمضي المقالُ في جردةٍ لأشياء ذلك الزمن — البيادر والنورج والرحى وطاحونة القهوة ومائدة العدس والمجدّرة — ويتوقّف عند مشهدٍ من طفولة الكاتب في دكّان الجمعية، ثمّ عند المعايدة التي يقول إنّها انتقلت من بيوت الجيران إلى شرم الشيخ وإيلات وأنطاليا. وخلاصتُه أنّ الحاضر عامرٌ بالخيرات وينقصه هدوءُ البال.
حنينٌ يعترف بفقر ما يحنّ إليه
ما يميّز هذا المقال عن كثيرٍ ممّا يُكتب في بابه أنّه لا يبني حجّتَه على إنكار مشقّة الماضي. فالكاتب زهير دعيم يذكر في مستهلّه أنّ تلك الأيّام كان فيها فقرٌ وعوزٌ ومرض، ثمّ يبني عليها لا عليها رغماً عنها: كانت — في قوله — عامرةً بالمحبّة والقناعة والإخوّة والتسامح، ولم يعرف الناسُ فيها انقساماً طائفياً ولا تحزّباً. أي أنّ المفاضلة عنده ليست بين رخاءٍ وشظف، بل بين نمطَي علاقاتٍ بين الناس. وهذا يجعل المقالَ أقربَ إلى محاجّةٍ منه إلى استرجاعٍ عاطفي، لأنّه يضع في كفّةٍ ما يقرّ بأنّه كان ناقصاً، وفي الكفّة الأخرى ما يرى أنّه فُقد.
ضريبةُ الحضارة كما يراها الكاتب
لا يرفض المقالُ الحاضرَ ولا يزهد فيه. يقول صاحبُه صراحةً إنّ للتقنية المتقدّمة ميزاتِها الجميلة، وإنّ للعيش الرغيد مزاياه، وإنّ للحضارة رونقها. لكنّه يضيف إلى هذا الحساب بنداً يسمّيه الضريبة: حضارةٌ سلخت الإنسان عن إنسانيّته ودفعت به إلى العنف والتعصّب والطمع. والدليلُ الذي يسوقه ليس نظرياً بل يوميّ: نشرةُ أخبارٍ يسمعها المرء فتدخله موجاتُ التشاؤم والإحباط، إذ فيها حربٌ في موضع، وانفجارٌ في ثانٍ، ورصاصٌ في ثالث، ومصرفٌ يُسرَق نهاراً في بلدةٍ مجاورة. وهذه هي النقطةُ التي ينتقل عندها النصُّ من الحنين الشخصي إلى تعليقٍ على الحال العامّة.
جردةُ الأشياء ومشهدُ الدكّان
القسمُ الأوسع من المقال جردةٌ لأشياء ذلك الزمن ومعجمه: البيادرُ والنورج والعجّال والراعي الذي يسبق الفجر إلى الطبيعة، والرحى وطاحونةُ القهوة وورقُ اللعب، والمائدةُ التي تجمع المجدّرة ومرقةَ العدس والبليلة والزلابية وكعكَ العيد. ثمّ يتوقّف النصُّ عند مشهدٍ واحدٍ يرويه الكاتب من طفولته: كان يركب ظهر النورج أيّاماً منتظراً فصلَ القمح عن التبن، حتّى يعطيه والدُه شيئاً من الغلّة تُسمّى «شروة»، فيحملها إلى دكّان الجمعية القريب من البيت، فيأخذها البائعُ ويملأ له الطنجرةَ الصغيرة من مرطبان السكاكر الحمراء. والمشهدُ يختصر أطروحةَ المقال كلّها: مقايضةٌ صغيرة يصير فيها القليلُ فرحاً كبيراً.
المعايدةُ التي غيّرت وجهتَها
أقسى ما في المقال ليس وصفَ الفقر القديم بل وصفَ العلاقة الجديدة. يقول الكاتب إنّ بيتهم، كسائر البيوت، كان يمتلئ يوم العيد بالمعيّدين من الطوائف كلّها، وإنّ الحال اليوم غيرُ ذلك: لم يعد الأخُ يعايد أخاه ولا أختَه، وصارت الوجهةُ شرمَ الشيخ وإيلات وأنطاليا، ولندنُ لمن اتّسع حالُه. وفي هذا المقطع تحديداً ينتقل النصُّ من رثاء الأشياء إلى رثاء الصلات: الأشياءُ تُستبدَل بما هو أفضل منها ولا خسارةَ في ذلك، أمّا الزيارةُ في العيد فلا بديل عنها إذا انقطعت. ويلحق بذلك وصفُه للمطر والرعد وللوادي الذي كان يغمر الأراضي، ولانتظار فيلمٍ عربيّ في يوم الجمعة.
خلاصةٌ لا تدين الحاضر
يختم المقالُ بموازنةٍ صريحة تحفظ للحاضر حقَّه: أيّامنا — كما يقول — عامرةٌ بالخيرات والحضارة والمال، لكنّها تفتقد هدأةَ البال التي سادت آنذاك، وتفتقد المحبّةَ التي كانت في النفوس والأزقّة وفي الحقول. فالخلاصةُ إذن ليست دعوةً إلى العودة إلى الوراء ولا حكماً بأنّ الماضي كان أفضل في كلّ شيء، بل تشخيصٌ لما يرى الكاتبُ أنّه لم يُعوَّض: طمأنينةٌ وعلاقاتٌ لا تشتريها الوفرة. وهو تشخيصٌ يقوله من موقع الشاهد لا الباحث، ولا يدّعي غير ذلك، إذ لا أرقام في النصّ ولا إحالات — وإنّما ذاكرةُ رجلٍ يعرض ما رآه ويترك للقارئ أن يوازن.


