تاريخٌ حدّده أحمد ياسين يقابل حديثاً عن «لعنة الثمانين»
تعرض مادّةٌ منشورة في موقع «الجرمق» مقارنةً بين تاريخٍ ذكره الشيخ أحمد ياسين قبل نحو ثلاثين عاماً وبين تصريحاتٍ صدرت عن ساسةٍ وكتّابٍ إسرائيليين حول عمر دولتهم. ونقطة الانطلاق مقابلةٌ تلفزيونية أجرتها قناة الجزيرة معه في برنامج «شاهد على العصر» في نيسان/أبريل 1998، حدّد فيها سنةً بعينها وبنى تحديده على قاعدةٍ عمرها أربعون عاماً لكلّ جيل. وفي المقابل تجمع المادّة أقوالاً منشورة: مقالٌ لدان بيري في «معاريف» يشكّك في البقاء حتى 2048 من دون خطّة إنقاذ، ومقالٌ لإيهود باراك في «يديعوت أحرونوت» عن ثمانين عاماً لم تتجاوزها دولةٌ يهودية إلّا مرّتين، وتصريحٌ لبنيامين نتنياهو سنة 2017 عن السعي إلى مئة عام. وتضيف إليها قراءاتٍ لآري شافيط وبيني موريس وأفرايم غانور، ثمّ تعدّد أربعة أسبابٍ داخلية وخارجية.
تاريخٌ قيل على الهواء سنة 1998
تبدأ المادّة من واقعةٍ موثّقة بزمانها ومكانها: مقابلةٌ تلفزيونية أجرتها قناة الجزيرة مع الشيخ أحمد ياسين، مؤسّس حركة حماس، ضمن برنامج «شاهد على العصر» في نيسان/أبريل من سنة ألفٍ وتسعمئة وثمانٍ وتسعين. وفيها قال إنّ كياناً يقوم على الظلم لا يدوم، وشبّه الدول بالإنسان في ولادته وشيخوخته، ثمّ حدّد سنةً بعينها هي سبعٌ وعشرون وألفان. والسؤال الذي تطرحه المادّة بعد النقل هو سؤال الأساس: على أيّ شيءٍ بنى هذا التحديد؟ والجواب الذي نقلته عنه هو قاعدةٌ حسابية قوامها أربعون عاماً لكلّ جيل: أربعون أولى فيها النكبة، وأربعون ثانية فيها الانتفاضة والمواجهة، وأربعون ثالثة تقع فيها النهاية في تقديره.
حجّةٌ مأخوذة من تاريخ الممالك
تنتقل المادّة من النبوءة إلى ما تسمّيه السابقة التاريخية، وتعرض حجّةً تتردّد في الكتابة الإسرائيلية نفسها: أنّ مملكة داود وسليمان، وهي في هذا العرض الدولة اليهودية الأولى، لم تتجاوز ثمانين عاماً؛ وأنّ مملكة الحشمونائيم، وهي الثانية، انتهت في عقدها الثامن. وعلى هذا الأساس تُسمّى العقبة التي تقترب منها إسرائيل بوصفها الدولة الثالثة: «لعنة الثمانين». وتقرّ المادّة في الوقت نفسه بأنّ الحديث عن زوالٍ يبدو مستغرباً بالنظر إلى القوّة العسكرية وتفوّقها على دول المنطقة، وبأنّ كثيرين يعدّونه مبالغة — ثمّ تقول إنّ ما يُغيّر الصورة ليس الميزان العسكري بل ما يُكتب في الداخل.
ما كتبه سياسيّان وصحيفتان
تنتقل المادّة إلى نصوصٍ منشورة بأسماء أصحابها. فالكاتب الإسرائيلي دان بيري قال في مقالٍ نشرته «معاريف» إنّ إسرائيل قد لا تصمد حتى سنة ثمانٍ وأربعين وألفين ما لم تعتمد الحكومة المقبلة ما سمّاه خطّة إنقاذٍ وطني تعالج تداعيات الحرب والعزلة والانقسام الداخلي. ورئيس الوزراء الأسبق إيهود باراك كتب في «يديعوت أحرونوت»، بمناسبة الذكرى الرابعة والسبعين للتأسيس، أنّ الدولة اليهودية لم تتجاوز في التاريخ ثمانين عاماً إلّا في فترتين، وأنّ التفكّك بدأ في كلتيهما في العقد الثامن. أمّا بنيامين نتنياهو فأعلن سنة سبع عشرة وألفين ضرورة العمل على ضمان استمرار الدولة مئة عام، وذكر في السياق نفسه أنّ التاريخ لا يعرف دولةً يهودية جاوزت الثمانين. والفارق بين الثلاثة ليس في المهلة بل في ما يُبنى عليها: تحذيرٌ، أو تشخيص، أو هدفٌ معلن.
قراءاتُ محلّلين ومؤرّخ
تضمّ المادّة إلى هؤلاء ثلاثة أسماءٍ أخرى. المحلّل آري شافيط يرى أنّ البلاد بلغت نقطة لا عودة، ويتحدّث عن عملية تدميرٍ ذاتي بلغت مراحلها الأخيرة، وعن إدراكٍ لدى الإسرائيليين بأنّهم وقعوا ضحية وهمٍ صهيوني. والمؤرّخ بيني موريس يتوقّع انحلالاً وغرقاً في الوحل، وانتصاراً للعرب والمسلمين، وتحوّل اليهود إلى أقلّية في المنطقة. والباحث السياسي أفرايم غانور يصف الأرض بأنّها تهتزّ تحت أقدام الإسرائيليين، ويتحدّث عن أمّةٍ مشتّتة ومجتمعٍ منقسم ينتظر معجزةً تخلّصه من الكراهية. وتورد المادّة في المقابل الرأي المضادّ: أنّ بعضهم يعدّ الحديث عن الزوال استراتيجيةً لاجتذاب التعاطف وتأمين الدعم الدولي المستمرّ.
أربعةُ أسبابٍ تُساق للاحتمال
تختم المادّة بتعداد ما يراه المحلّلون أسباباً ترجّح هذا الاحتمال، وهي أربعة. الأوّل انقسامٌ داخلي توصف استعصاؤه بأنّه الأشدّ، ويُضاف إليه انتشار الفساد. والثاني غياب قيادةٍ مؤسِّسة قادرة، مع وصف الطبقة السياسية الحالية بالانتهازية وتقديم المصالح الشخصية. والثالث التحوّل الديموغرافي وتوازن الأعداد بين اليهود والعرب داخل الحدود وفي الأراضي المحتلّة إذا بقيت معدّلات النموّ على ما هي عليه. والرابع الاعتماد على الدعم الدولي والتحالفات الاستراتيجية، وما قد يترتّب على تراجعه سياسياً وعسكرياً. والحجّة التي تسوقها المادّة في ختامها ليست أنّ هذه الأسباب حاسمة، بل أنّ تكرار الكلام عنها على ألسنة قادةٍ في الدولة نفسها هو ما يمنعها من أن تُردّ بوصفها دعايةً وحسب.


