الرياض تُرجئ الردّ على استهداف الأنابيب بطلبٍ من بغداد
نسب الرئيس الأميركي دونالد ترامب الهجومَ الذي استهدف خطّ أنابيب النفط السعودي إلى إيران «على الأرجح»، من غير أن يقدّم في تصريحاته المنقولة تفاصيل أو أدلّة. وجاء كلامه أمام صحفيين على هامش لقائه رئيس الوزراء الإيرلندي مايكل مارتن، وفيه أعاد ما سبق أن قدّره من أنّ نهاية الحرب مع طهران ستأتي عقب اقتراع التجديد النصفي المقرّر في تشرين الثاني، وقال إنّ أسعار النفط ستنخفض عند انتهائها، وإنّ واشنطن تسيطر على مضيق هرمز، وإنّ الحوثيين لا يريدون قتالها. وكانت السعودية قد أعلنت في وقتٍ سابق من اليوم نفسه أنّ مسيّرات أُطلقت من العراق أصابت نقاطاً على الخطّ الممتدّ من شرق المملكة إلى غربها، وأنّ الضخّ توقّف موقّتاً، وأنّ في الحادث مصابين. ولم تكن الرياض قد سمّت جهةً مسؤولة، بحسب المعلومات الواردة في التقرير. ثمّ أعلنت الخارجية السعودية عدم الردّ في الوقت الحالي استجابةً لطلبٍ من رئيس الوزراء العراقي، فيما أعلن مكتبه إقالة قائد العمليات في محافظة ميسان بعد أن أكّدت التحقيقات — بحسب قوله — أنّ المسيّرة انطلقت من تلك المنطقة.
اتّهامٌ بصيغة الترجيح
الصيغة التي استعملها الرئيس الأميركي هي مفتاح قراءة تصريحه. فهو لم يقل إنّ إيران نفّذت الهجوم، بل قال إنّها مسؤولةٌ عنه «على الأرجح»، وهي صيغةُ ترجيحٍ لا جزم. والأهمّ أنّ التصريحات المنقولة خلت من أيّ تفصيلٍ أو دليلٍ يسند هذا الترجيح. وقد جاء الكلام في سياقٍ غير رسميّ: حديثٌ مع صحفيين على هامش اجتماعه برئيس الوزراء الإيرلندي مايكل مارتن، لا بيانٌ صادر عن جهةٍ تحقيقية. ويزيد هذا الفارق أهمّيةً أنّ الرياض نفسها، وهي الطرف المتضرّر، لم تكن قد أعلنت جهةً مسؤولة بحسب المعلومات الواردة في المادّة المرصودة. أي أنّ النسبة إلى إيران صدرت عن واشنطن قبل أن تصدر عن صاحب الشأن.
ما أصابه الهجوم ولماذا يهمّ
الهدف الذي ضُرب ليس منشأةً عادية. فخطّ الأنابيب يمتدّ نحو ألفٍ ومئتي كيلومتر من مناطق الإنتاج في شرق السعودية إلى موانئ البحر الأحمر في غربها، ووظيفتُه الاستراتيجية أنّه يوفّر مساراً بديلاً لتصدير النفط من دون المرور بمضيق هرمز. وتنقل وكالة «رويترز» عن محلّلين وعن شركاتٍ تعمل في رصد ملاحة الناقلات تقديراً مفادُه أنّ ما يمرّ في هذا الخطّ يتراوح بين أربعةٍ وخمسةٍ في المئة من إمدادات النفط في العالم. وقالت السلطات السعودية إنّ النقل عبره توقّف موقّتاً، وإنّ الأضرار لم يتّضح حجمها كاملاً، وإنّ عدداً من المصابين سقطوا. واستهدافُ المسار البديل تحديداً هو ما يجعل الحادثة أكبر من ضربةٍ على بنيةٍ نفطية: فهي تطال المنفذ الذي وُجد أصلاً لتفادي إغلاق المضيق.
قرارٌ سعوديّ بعدم الردّ، وطلبٌ من بغداد
أبرزُ ما في الموقف السعودي أنّه موقفُ امتناعٍ معلَّل. فقد قالت وزارة الخارجية إنّ المملكة قرّرت في الوقت الحالي ألّا تردّ على الهجوم، وربطت القرار بطلبٍ تقدّم به رئيس الوزراء العراقي. وأضافت أنّ الرياض ستدعم ما تبذله الحكومة العراقية من جهدٍ لمنع انطلاق هجماتٍ من أراضيها ضدّ دول الجوار. وقرنت ذلك بتحفّظٍ صريح: أنّها تحتفظ بحقّها في اتّخاذ ما تراه لازماً لحفظ سيادتها وأمنها وحماية منشآتها وسلامة من على أرضها. وهذه الصياغة الثلاثية — امتناعٌ الآن، ودعمٌ لجهد بغداد، وحقٌّ محفوظ لاحقاً — تضع الملف في يد الحكومة العراقية وتجعل استمرار الامتناع مشروطاً بما ستفعله.
إقالةٌ في ميسان بعد التحقيق
أمّا الشقّ العراقي فجاء فعلاً إدارياً لا تصريحاً. إذ أعلن مكتبُ رئيس وزراء العراق أنّه أقال الضابط الذي يتولّى قيادة العمليات في ميسان، وهي محافظةٌ تلاصق الحدود الإيرانية، وعلّل ذلك بأنّ ما انتهى إليه التحقيق يؤكّد خروج المسيّرة المهاجمة من تلك المنطقة. ودلالةُ هذه الخطوة أنّها إقرارٌ عراقيّ رسميّ بنقطة الانطلاق، وإن لم تتضمّن تسمية الجهة التي أطلقت المسيّرة. وهنا تحديداً يقع الفرق بين ما هو مثبتٌ وما هو مرجَّح: العراق يقرّ بالجغرافيا ويحاسب المسؤول الأمني عنها، والرئيس الأميركي يذهب أبعد فينسب المسؤولية إلى طهران، والسعودية لا تسمّي أحداً وتؤجّل ردّها.
ما قاله ترامب في ما وراء الحادثة
إلى جانب نسبة الهجوم، ساق الرئيس الأميركي في اللقاء نفسه جملةَ تقديراتٍ عن المواجهة الأوسع مع إيران. قال إنّ الحرب بين بلاده وإيران ستنتهي قريباً، وكرّر تقديراً سبق أن أبداه بأنّ نهايتها ستأتي بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقرّرة في تشرين الثاني، وربط بين انتهائها وتراجع أسعار النفط. وأضاف في الجملة نفسها ثلاثة أمورٍ متفرّقة: أنّ واشنطن تسيطر على مضيق هرمز، وأنّ الحوثيين لا يريدون قتالها، وأنّ وليّ العهد السعودي صديقٌ له وأنّ كلّ شيءٍ سيُحلّ على نحوٍ جيّد. وجميعُها تقديراتٌ وتوقّعات لا وقائع، وقد سيقت في حديثٍ عابر مع صحفيين، وهو ما ينبغي أن يُقرأ به وزنُها.


