عاجل
داخل
عربي ودولي

حريقٌ في سجن عين العرب يقتل محتجزين وحصيلتان متضاربتان للقتلى

اندلع حريقٌ في أحد أقسام سجن مدينة عين العرب (كوباني) بريف حلب شمال سوريا في أعقاب اضطرابٍ داخلي، فقُتل محتجزون وأُصيب آخرون بحروقٍ وحالات اختناق. والحصيلةُ المعلنة ليست رقماً واحداً: جهةٌ رسمية تحصي سبعةَ قتلى وعشراتِ المصابين، ومعلوماتٌ أخرى تتحدّث عن ستّةٍ وعشرين مصاباً بينهم تسعةٌ فارقوا الحياة وسبعةَ عشر جريحاً، أربعةٌ منهم في حالةٍ خطرة، والعددُ النهائي ما زال قيد التحقّق. أمّا سببُ الاضطراب فتُطرح له روايتان: رفضُ محتجزين نقلَهم من السجن إلى سجونٍ في حلب، وانتشارُ قوّاتٍ أمنية خارج المبنى مع تداول حديثٍ عن نقلٍ مرتقب. وأفادت معلوماتٌ بأنّ من أشعل الإسفنج والفرش داخل الأقسام هم محتجزون في أثناء الاستعصاء. والواقعةُ تأتي بعد ليلةٍ من الاحتجاجات في المدينة على خلفية مقتل الشابّ سامي شيخموس حسو المعروف بسيبان، الذي وُجد مصاباً بطلقاتٍ نارية في محافظة الحسكة بعد الإبلاغ عن اختفائه.

3 دقائق قراءة
اندلع حريقٌ في أحد أقسام سجن مدينة عين العرب (كوباني) بريف حلب شمال سوريا في أعقاب اضطرابٍ داخلي، فقُتل محتجزو

نارٌ في قسمٍ ثمّ في المهاجع

تسلسلُ الواقعة، كما ترويه المادّة المرصودة، يبدأ باضطرابٍ واستعصاءٍ داخل المبنى لا بالحريق. فبعد أن بلغ التوتّرُ بين عددٍ من المحتجزين حدّ الاستعصاء، شبّت النارُ في أحد الأقسام وامتدّت إلى مهاجع أخرى، فسقط قتلى وأُصيب آخرون بحروقٍ وبحالات اختناق. وتنسب الإفاداتُ الأوّلية إشعالَ النار إلى المحتجزين أنفسهم، إذ أقدم بعضُهم في أثناء الاستعصاء على إحراق الإسفنج والفرش المتوافرة في المكان. أي أنّ المادّةَ لا تصف حريقاً عرضياً تبعه شغب، بل شغباً كان الحريقُ أحد فصوله. وما زالت ملابساتُ ما جرى — كيف بدأ الاستعصاء ومن أشرف على احتوائه — قيد المتابعة بحسب المصدر نفسه.

رقمان متباينان، ولا رقم نهائيّ

الأهمّ في هذا الخبر أنّ حصيلتَه غير مستقرّة، وهو ما تقوله المادّة صراحةً لا ما نستنتجه. فثمّة إعلانٌ لجهةٍ رسمية يحصي سبعةَ سجناء قضوا وعشراتٍ أُصيبوا بحروقٍ واختناق. وثمّة معلوماتٌ أخرى تعطي توزيعاً مختلفاً للأرقام: ستّةٌ وعشرون من النزلاء أُصيبوا، قضى منهم تسعةٌ ونُقل سبعةَ عشر جريحاً، ووُصفت حالةُ أربعةٍ من هؤلاء بالخطرة. والفارقُ بين الروايتين ليس في العدد وحده بل في بنيته: الأولى تفصل القتلى عن المصابين، والثانية تحسبهم جميعاً في خانة الإصابة ثمّ تفرز من قضى منهم. ولذلك يبقى الرقمُ النهائي معلّقاً على انتهاء التحقّق، ومن يعلن رقماً قاطعاً اليوم يسبق ما تقوله المصادر.

سببان مطروحان للاستعصاء

لماذا وقع الاستعصاء أصلاً؟ تقدّم المادّةُ تفسيرين لا تحسم بينهما، وكلاهما يدور على مسألة النقل. الأوّل أنّ التوتّر تصاعد بين محتجزين وسط حديثٍ عن رفض بعضهم أن يُنقلوا من السجن إلى سجونٍ في مدينة حلب. والثاني أنّ الشرارة كانت انتشارَ قوّاتٍ أمنية في الخارج تزامن مع تداول معلوماتٍ عن احتمال نقل عددٍ من المحتجزين، فسبق ذلك الاستعصاءَ والحريق. والقاسمُ المشترك بين التفسيرين أنّ إجراءً إدارياً — تحويلُ نزلاء من مكانٍ إلى آخر — هو ما فجّر الداخل، وأنّ السجنَ كان قد بلغ من الاحتقان حدّاً يكفي معه احتمالُ النقل لا وقوعُه. ويُضاف إلى الصورة أنّ نحو ثلاثةَ عشر موقوفاً على خلفية أحداث المدينة في الليلة السابقة نُقلوا إلى محافظة حلب.

ما جرى في المدينة قبل ما جرى في السجن

لا يُقرأ حريقُ السجن بمعزلٍ عن ليلته السابقة. فقد شهدت عين العرب ومناطقُ أخرى في شمال سوريا وشمالها الشرقي اضطراباتٍ واحتجاجات على خلفية مقتل شابّ كردي هو سامي شيخموس حسو، المعروف باسم سيبان، عُثر عليه يوم الخميس مصاباً بطلقاتٍ نارية في محافظة الحسكة بعد أن وردت معلوماتٌ عن اختفائه قبل ذلك. وفي أثناء احتجاجات المدينة تحدّثت إفاداتٌ رسمية عن اعتداءاتٍ أصابت مركباتٍ تابعة لقوى الأمن ومبنىً للأمن الداخلي فيها، بينما خرجت في مناطق أخرى تجمّعاتٌ تطالب بكشف ملابسات المقتل ومحاسبة المسؤولين. ثمّ أُعلن توقيفُ عددٍ من الأشخاص للاشتباه في ضلوعهم بالحادثة، وأعلنت السلطاتُ المحلية أنّها ترفض ما جرى للشابّ، وطلبت أن يسير الملفُّ في مساره لدى الجهات ذات الاختصاص.

ولماذا تكتسب الواقعة وزناً يفوق حجمها

ثمّة طبقةٌ ثالثة تجعل حادثةً في سجنٍ واحد مسألةً أوسع من ملفّ أمني محلّي. فمناطقُ شمال سوريا وشمالها الشرقي تمرّ في الأشهر الماضية بتحوّلٍ في بنية السلطة فيها، بعد الاتّفاق المعقود بين السلطات السورية والقوى الكردية على دمج المؤسّسات المدنية والعسكرية التابعة للإدارة الذاتية في مؤسّسات الدولة. وفي مرحلةٍ كهذه يصير كلُّ ما يتّصل بالاعتقال والاحتجاز والنقل بين السجون اختباراً لمن يمسك القرار فعلاً ولحدود ما سُلِّم ولمن. وعلى هذه الخلفية يتحوّل احتمالُ نقل نزلاء إلى حلب من تدبيرٍ إجرائي إلى إشارةٍ سياسية يقرؤها الداخلُ والخارج، وهو ما يفسّر سرعةَ انتقال الغضب من شوارع المدينة إلى مهاجع سجنها.