عاجل
داخل
علوم وتكنولوجيا

لماذا تنقلب عبارةُ التحفيز إلى عبء: مختصّون في التربية وعلم النفس يحذّرون من مقارنة الطفل بأخيه، ويشيرون إلى أنّ أثرها يطال الطرفين لا الأقلّ تحصيلاً وحده

تبدو مقارنة الطفل بإخوته للوالدين وسيلةً بسيطة لدفعه إلى تحسين سلوكه أو مضاعفة جهده، غير أنّ مختصّين في التربية وعلم النفس يرون أنّ تكرار هذا الأسلوب يترك آثاراً نفسية بعيدة المدى في شخصية الطفل وفي صلته بأسرته وبنفسه. فعباراتٌ من نوع «انظر إلى أخيك» أو «لماذا لا تكون مثل أختك» تعوّد الطفل — بحسب هؤلاء — أن يقيس نفسه بنجاحات غيره بدلاً من أن يتعرّف إلى قدراته هو. والأدقّ في ملاحظاتهم أنّ الضرر لا يقتصر على من يُقارَن فيشعر بالتقصير، بل يمتدّ إلى من يُقارَن به فيُحمَّل عبء الحفاظ على صورته.

3 دقائق قراءة
تبدو مقارنة الطفل بإخوته للوالدين وسيلةً بسيطة لدفعه إلى تحسين سلوكه أو مضاعفة جهده، غير أنّ مختصّين في التربي

النيّة والنتيجة: أداةٌ تُستعمل للتحفيز فتعمل في الاتّجاه المضادّ

الملاحظة التي يبدأ منها المختصّون أنّ المقارنة بين الإخوة تُستعمل عادةً بنيّةٍ حسنة: أن يُحفَّز الطفل على تحسين سلوكه أو على بذل مزيدٍ من الجهد، فتبدو للوالدين وسيلةً بسيطة في متناول اليد. غير أنّ ما يترتّب عليها عند التكرار غير ما قُصد منها. فهي بحسب هؤلاء المختصّين تترك آثاراً نفسية طويلة المدى، لا تقتصر على شخصية الطفل وحدها، بل تمتدّ إلى علاقته بأسرته وإلى علاقته بنفسه. والفجوة بين النيّة والنتيجة هي ما يجعل هذا الأسلوب جديراً بالمراجعة.

كيف تعمل العبارة: نقلُ مرجع التقييم من الطفل إلى غيره

أمّا آلية الأثر فيشرحها المختصّون في التربية وعلم النفس على النحو الآتي: الطفل الذي تتردّد على مسامعه عبارةٌ من نوع «انظر إلى أخيك»، أو سؤالٌ من نوع «لماذا لا تكون مثل أختك»، يبدأ تدريجياً في تقييم نفسه من خلال نجاحات الآخرين، بدلاً من أن يتعرّف إلى قدراته الخاصة ويقدّرها. والكلمة المهمّة هنا «تدريجياً»: فالأمر لا يقع دفعةً واحدة عند عبارةٍ عابرة، وإنّما يترسّخ بالتكرار حتى يصير مرجع التقييم عند الطفل خارجه لا داخله. وهذا التحوّل في المرجع هو أصل ما يترتّب عليه لاحقاً.

الأثر الأوّل: غيرةٌ ومنافسةٌ داخل البيت

وأوّل ما يترتّب على ذلك أثرٌ في العلاقة بين الإخوة أنفسهم، إذ تعزّز المقارنات المستمرّة مشاعر الغيرة والمنافسة بينهم. ويشتدّ ذلك في حالةٍ بعينها يحدّدها المختصّون: حين يشعر أحد الأطفال بأنّ شقيقه يحظى من الوالدين بتقديرٍ أكبر ممّا يحظى به هو. أي إنّ المقارنة لا تُقرأ عند الطفل بوصفها ملاحظةً على أدائه فحسب، بل بوصفها ترتيباً لمكانته في البيت. وهكذا تتحوّل عبارةٌ قيلت لغرضٍ تربوي إلى مادّةٍ لخصومةٍ بين إخوة.

الأثر الثاني: في صورة الطفل عن نفسه

والأثر الثاني داخليٌّ يخصّ الطفل نفسه، ويُجمله المختصّون في أربع نتائج متّصلة: انخفاض الثقة بالنفس، والخوف من الفشل، والشعور بعدم الكفاية، والسعي المستمرّ إلى نيل رضا الوالدين. وهذه الأخيرة أدقّ ما في القائمة، لأنّها تصف ما يبدو من الخارج اجتهاداً محموداً بينما هو من الداخل قلقٌ متّصل: طفلٌ لا يعمل لأنّه يريد، بل لأنّه يخشى ألّا يكفي. وشتّان بين دافعٍ ينبع من رغبةٍ في الإنجاز وآخر ينبع من خوفٍ من فقدان الرضا.

ما يُغفل عادةً: الطفل الذي يُقارَن به يدفع ثمناً أيضاً

وأدقّ ما ينبّه إليه المختصّون أنّ آثار المقارنة لا تقتصر على الطفل الذي يشعر بأنّه أقلّ نجاحاً. فهي تطال أيضاً الطفل الذي تجري المقارنة به، أي المقدَّم مثالاً. وسبب ذلك أنّه يشعر بأنّه مطالبٌ على الدوام بالحفاظ على صورته بوصفه الأفضل أو الأنجح، فينشأ لديه ضغطٌ نفسي وخوفٌ من فقدان مكانته داخل الأسرة. وبهذا لا يكون في المقارنة رابحٌ وخاسر، بل طرفان يحمل كلٌّ منهما عبئاً من نوعٍ مختلف: أحدهما عبء التقصير والآخر عبء الحفاظ على التفوّق.

البديل الذي يقترحه المختصّون: أن يُقاس الطفل بنفسه

أمّا البديل فيصوغه المختصّون بقاعدةٍ واحدة: أن يكون التركيز على تطوّر الطفل مقارنةً بنفسه لا مقارنةً بإخوته. وأدواتُ ذلك ثلاث: تقدير جهده، وتقدير تقدّمه الفردي، واعتماد عباراتٍ توجّهه إلى اكتشاف ما يقوى عليه، بدل زجّه في منافسةٍ مع سواه. ويسندون هذه القاعدة إلى مقدّمةٍ بسيطة، وهي أنّ لكلّ طفلٍ شخصيته وقدراته وطريقته الخاصة في التعلّم والنموّ. والحصيلة التي يشيرون إليها أنّ منح الأطفال شعوراً بأنّهم مقبولون ومقدَّرون بعيداً عن المقارنات يعينهم على بناء ثقةٍ أكثر استقراراً بأنفسهم، وعلى إقامة علاقاتٍ صحّية مع إخوتهم.