وثائقيٌّ في مسابقة مهرجان البندقية يجمع أربعةً وعشرين شاهداً من ضبّاط الاستخبارات الإسرائيلية وجنودها السابقين على منظومات الاستهداف في حرب غزّة، وهو الوحيد من نوعه بين واحدٍ وعشرين فيلماً تتنافس على الأسد الذهبي
عُرض يوم الخميس، ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان البندقية السينمائي، فيلمٌ وثائقي وقّعه المخرجان الإسرائيليان يوفال أبراهام وراشيل زور، عنوانه «NAZA»، وهو اختصارٌ عسكري تقول الجهة المنتجة إنّه يُستعمل وصفاً للعدد المتوقَّع من المدنيين الذين قد يُقتلون في غارةٍ جوية واحدة. ويقوم العمل على مقابلاتٍ مع أربعةٍ وعشرين ممّن خدموا سابقاً في وحدات الاستخبارات الإسرائيلية جنوداً وضبّاطاً، أُجريت — بحسب صحيفة «الغارديان» التي شاركت في إنتاج الفيلم — في ساعات الليل فوق أسطح مبانٍ في تل أبيب، مع تبديل أصوات المتحدّثين وطمس ملامحهم اتّقاءً لما قد يلحقهم إن عُرفوا. وتدور الشهادات على أدواتٍ تعتمد الذكاء الاصطناعي في ترشيح أعدادٍ كبيرة بوصفهم أهدافاً محتملة، وعلى اختراق الهواتف لتحديد أماكن أصحابها، وعلى غاراتٍ ليلية على بيوتٍ مأهولة مع تقديرٍ سابق لاحتمال سقوط أفرادٍ من العائلة نفسها.
ماذا عُرض في البندقية، ومن وقّعه، وماذا يعني عنوانه
الحدثُ عرضٌ أوّل جرى يوم الخميس داخل المسابقة الرسمية لمهرجان البندقية السينمائي، والعملُ المعروض وثائقيٌّ اشترك في إخراجه الإسرائيليان يوفال أبراهام وراشيل زور. أمّا عنوانه فليس كلمةً بل اختصارٌ متداوَل في المؤسّسة العسكرية الإسرائيلية، تقول الجهةُ التي أنتجت الفيلم إنّه يُستعمل استعمالاً وصفياً للإشارة إلى كم من المدنيين يُنتظر أن يسقطوا في غارةٍ جوية. واختيارُ هذا الاختصار عنواناً هو في ذاته أطروحةُ الفيلم مختصرة: أنّ عدد القتلى المدنيين لم يكن مفاجأةً تُكتشف بعد وقوع الغارة، بل رقماً يُحسب قبلها ويُدرج في لغة العمل اليومية.
لماذا صُوّرت المقابلات ليلاً وبأصواتٍ مبدَّلة
تفصيلُ إجراء المقابلات ليس تفصيلاً تقنياً بل جزءٌ من معنى المادّة. فبحسب صحيفة «الغارديان»، وهي شريكةٌ في إنتاج العمل، أُجريت اللقاءات ليلاً على أسطح مبانٍ في تل أبيب، وأُخفيت هويّات المتحدّثين بتغيير أصواتهم وطمس ملامحهم. والسببُ المعلَن لهذا كلّه ما قد يترتّب عليهم إن عُرفت أسماؤهم. وأضاف منتجو العمل أنّ الإنتاج جرى في كتمانٍ وبترتيباتٍ أمنية مشدّدة حمايةً لمن تحدّثوا. أي أنّ أربعةً وعشرين رجلاً وامرأة ممّن خدموا في جهازٍ استخباري رأوا أنّ الإدلاء بما لديهم يستوجب هذا القدر من الحيطة.
ما الذي تصفه الشهادات من أدوات العمل
تنقسم المادّة التي يوردها الفيلم، وفق ما نُشر عنه، إلى أنواعٍ من الممارسة لا إلى وقائع منفردة. أوّلها أدواتٌ تعتمد الذكاء الاصطناعي، وظيفتُها ترشيح أعدادٍ كبيرة من الأشخاص بوصفهم أهدافاً محتملة قبل تنفيذ غاراتٍ ليلية على بيوتهم، مع علمٍ سابق بأنّ الضربة قد تصيب أفراداً من عائلاتهم. وثانيها اختراقُ الهواتف لتحديد مواقع من جرى استهدافهم والاستماع إلى محادثاتهم مع ذويهم. وثالثها ما يتّصل بالأرض مباشرةً: قصفُ أحياء سكنية وتدميرها، وإحراقُ بيوت مدنيين، وحوادثُ قتلٍ عند نقاط توزيع المساعدات. وقال المخرج يوفال أبراهام في مؤتمرٍ صحافي بالبندقية إنّ الفريق طلب من المشاركين شرح آلية عمل ما استعملوه، وإنّ منهم من أبدى ندماً ومنهم من تحدّث بلا اكتراثٍ أو بمباهاة.
سؤالُ الفيلم: السياسة والأوامر لا الحادثة المنفردة
يقول المخرجان إنّ عملهما لا يبحث في حوادث فردية ولا في تجاوزاتٍ يرتكبها جنودٌ من تلقاء أنفسهم، وإنّ ما يلاحقه هو ما فوق ذلك: السياساتُ والأوامر والممارسات واللغة التي سمحت في روايتهما بقتل المدنيين على نطاقٍ واسع. ومن هنا جاء ربطُ الشهادات بما نُشر في السنوات الماضية من تحقيقاتٍ صحافية عن آليّات الاستهداف الإسرائيلية في القطاع، ومنها تحقيقاتٌ في «الغارديان» ومجلّة «972+» وموقع «سيحا مكوميت». ويظهر بين المتحدّثين، بحسب «الغارديان»، من عملوا في وحداتٍ استخبارية سرّية، ومنهم من قال إنّ وحدته كانت على صلةٍ مباشرة بمكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو.
موقعُ العمل في المسابقة، وما قبله من مسار
ليس الفيلم واحداً من عدّة أفلامٍ وثائقية في الدورة الحالية، بل الوثائقيُّ الوحيد بين واحدٍ وعشرين فيلماً تتنافس على الأسد الذهبي، وهو موقعٌ يمنح ما فيه من شهاداتٍ منبراً أوسع ممّا تتيحه العروض المتخصّصة. أمّا مسارُ المخرجَين فسبقه عملٌ آخر: «لا أرضَ أخرى»، الذي شاركهما إخراجه الفلسطينيان باسل عدرا وحمدان بلال، وحاز جائزة الأوسكار لأفضل فيلمٍ وثائقي عام ألفين وخمسة وعشرين. وتقوم المادّةُ الجديدة على شهاداتٍ ومعلوماتٍ سبق نشرُ أجزاءٍ منها بين عامَي ألفين وثلاثة وعشرين وألفين وخمسة وعشرين، أي أنّ جِدَّتها في من يرويها لا في وقوعها.


