تقرير «عدالة»: مئةٌ واثنان وثلاثون توجّهاً من طلبةٍ فلسطينيين في نحو أربعين مؤسّسة أكاديمية، وأكثر من ثمانين تعليقاً للدراسة قبل أيّ جلسة تأديبية
أصدر مركز «عدالة» يوم الاثنين تقريراً يرصد ما جرى داخل الجامعات والكلّيات في إسرائيل منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وخلاصته أنّ المؤسّسات الأكاديمية صارت تتعامل مع التعبير السياسي بمسطرتين لا بمسطرةٍ واحدة: مسارٌ إداريّ للطالب الفلسطيني قوامه منطق الطوارئ والخطاب الأمني، ومسارٌ دستوريّ للطالب اليهودي أبقى حدود الصلاحية وحرّية التعبير أوسع. ويقوم التقرير على مئةٍ واثنين وثلاثين توجّهاً تلقّاها المركز من طلبةٍ في نحو أربعين مؤسّسة، النساء ستّةٌ وسبعون ونصف في المئة منهم.
ما الذي يرصده التقرير
أعدّت التقريرَ المحاميتان لبنى توما ومي دياب والمحامي عدي منصور، وتولّى تحريره الدكتور فادي خوري. وهو يتتبّع تصاعد الإجراءات التأديبية بحقّ الطلبة الفلسطينيين في مؤسّسات التعليم العالي منذ خريف 2023، ويصف ما استقرّ عليه الحال بأنّه نظامٌ يفرّق بين طالبٍ وطالبٍ في المعاملة نفسها. وقاعدة الأرقام فيه هي التوجّهات التي وصلت إلى المركز: مئةٌ واثنان وثلاثون توجّهاً من طلبةٍ موزّعين على نحو أربعين مؤسّسة أكاديمية.
العقوبة قبل الجلسة
أبرز ما يقف عنده التقرير في باب الإجراء أنّ العقوبة سبقت البتّ: ففي أكثر من ثمانين حالة عُلّقت دراسة الطالب تعليقاً مؤقّتاً قبل أن تُعقد له جلسةٌ تأديبية وقبل أن يُفصل في المخالفة المنسوبة إليه. وفي عشرين حالةً بلغت العقوبة حدّ الإبعاد الدائم أو الإبعاد عن الدراسة مدّةً تراوحت بين سنةٍ وخمس سنوات.
ما الذي عُدّ مخالفةً يُحاسَب عليها
أمّا موضوع الملاحقة فمنشوراتٌ وتعبيراتٌ متنوّعة: منها نقدُ سياسة الحكومة، ونقدُ الجيش، والموقفُ ممّا يجري في غزة؛ ومنها التضامن مع أهل القطاع؛ ومنها نشرُ أدعيةٍ وآياتٍ قرآنية، ورموزٍ تتّصل بالهوية الفلسطينية. وفي حالاتٍ أوردها التقرير كفى لفتح إجراءٍ تأديبيّ أن يضع الطالب علامة إعجابٍ على منشور، أو أن يظهر العلم الفلسطيني أو كلمة فلسطين على حسابه الشخصي، أو أن يشارك تقريراً إخبارياً، أو أن ينشر دعاءً لأهالي غزة.
خللٌ في الضمانات الإجرائية
ويوثّق المركز ما يعدّه انتهاكاتٍ متكرّرة لضمانات الإجراء: طلبةٌ استُدعوا إلى لجانٍ تأديبية دون أن يُطلعوا على المنشورات التي بُنيت عليها الشكاوى، وحالاتٌ لم يُتحقّق فيها من تاريخ نشر المحتوى ولا من عائدية الحساب، واعتمادٌ على الترجمة الآلية للمنشورات العربية أنتج — بحسب التقرير — ترجماتٍ خاطئة وقراراتٍ غير معلّلة بما يكفي. وأثر ذلك عملياً قلبُ عبء الإثبات: صار على الطالب أن يثبت أنّ منشوره ليس دعماً للإرهاب، بدل أن يقع على المؤسّسة إثبات وقوع المخالفة.
توسيعُ صلاحيةٍ في جهة، وضبطُها في الجهة الأخرى
ويسجّل التقرير أنّ المؤسّسات وسّعت نطاق صلاحيتها التأديبية حتى شملت منشوراتٍ خاصّة على الإنترنت، مع أنّ القواعد التأديبية معقودةٌ في الأصل على السلوك داخل المؤسّسة. ويقابل ذلك — في قراءة المركز — أنّ المؤسّسات نفسها حافظت في حالاتٍ عديدة على حدود صلاحيتها حين تعلّق الأمر بطلبةٍ يهود، وذلك حتى حين كان أمامها منشورٌ فيه دعوةٌ إلى إبادة الفلسطينيين، أو مادّةٌ عنصرية تحريضية.
خلفيّةٌ سياسية وتوصياتٌ ختامية
ويربط التقرير بدء هذه الإجراءات بالأيّام الأولى التي تلت السابع من أكتوبر وبضغوطٍ سياسية رافقتها، من بينها مطالبة وزير التعليم يوآف كيش رؤساءَ المؤسّسات باتّخاذ إجراءاتٍ فورية بحقّ الطلاب وتعليق دراستهم وإبلاغ مجلس التعليم العالي والشرطة، فيما بادرت مؤسّساتٌ من تلقاء نفسها إلى الشرطة فأفضى ذلك في حالاتٍ إلى اعتقالات. ويحذّر المركز من مناخ ترهيبٍ داخل الحرم يدفع الطلبة إلى الرقابة الذاتية، ويدعو مؤسّسات التعليم العالي إلى ردّ صلاحياتها التأديبية إلى حدودها القانونية وحماية حرّية التعبير في الحيّز الأكاديمي.


