عاجل
داخل
فلسطينيات

حملةُ إسقاط الديون تعبر إلى أراضي 48 بستّةٍ وثلاثين مليوناً

تجاوزت قيمةُ الديون التي أُسقطت ضمن حملة «تنازل لله» ستّةً وثلاثين مليون شيكل، بحسب ما أعلنه مطلقُها الإعلامي الفلسطيني علاء الريماوي. والحملة تدعو أصحاب الحقوق المالية إلى التنازل عمّا لهم في ذمم المتعثّرين، كلّه أو بعضه، في ظلّ ضيقٍ اقتصادي عامّ. وقد بدأت في الضفة الغربية وقطاع غزّة ثمّ اتّسعت إلى أراضي 48، حيث سُجِّلت مساهماتٌ لافتة: رجلٌ وشقيقته من عارة تنازلا عن ديونٍ تتخطّى سبعمئة ألف شيكل، ومبادرٌ من كفر قرع أعلن تنازله عن مئة ألف دولار. ويقول الريماوي إنّ الفكرة انبثقت من حالةٍ فردية واحدة: معلّمةٌ واجهت أزمةً مالية وتبعاتٍ قانونية بسبب شيكاتٍ مرتجعة، فتدخّل في قضيّتها حتّى سامحها صاحبُ الدين. ويضيف أنّ الهدف لا يقف عند إسقاط المبالغ بل يمتدّ إلى تعزيز التكافل، وأنّه دعا التجّار والشركات وشركات الاتّصالات إلى النظر في أوضاع المتعثّرين بوسائل منها إعادة جدولة الديون، مشدّداً على أنّ التنازل اختياريّ مرهونٌ بقدرة صاحب الحقّ.

3 دقائق قراءة
تجاوزت قيمةُ الديون التي أُسقطت ضمن حملة «تنازل لله» ستّةً وثلاثين مليون شيكل، بحسب ما أعلنه مطلقُها الإعلامي

حالةٌ واحدة صارت حملة

تبدأ الحكاية، كما يرويها صاحبها، من واقعةٍ بعينها لا من فكرةٍ مجرّدة. فقد تدخّل الإعلامي الفلسطيني علاء الريماوي في قضيّة معلّمةٍ كانت تواجه أزمةً مالية وما يترتّب عليها من ملاحقةٍ قانونية بسبب شيكاتٍ مرتجعة، وانتهى تدخّلُه إلى أن قرّر صاحبُ الدين إسقاط المبلغ المستحقّ عليها. ومن هذه الحالة المفردة انتقل إلى التعميم: لماذا لا تُوسَّع المسامحة لتشمل غير هذه المعلّمة من المتعثّرين؟ فدعا القادرين إلى التنازل عن حقوقهم المالية، كاملةً أو جزئيّةً، كلٌّ على قدر وسعه وظرفه. وهذا الانتقال من قضيّةٍ فردية إلى دعوةٍ عامّة هو ما يفسّر الطابع التراكمي الذي أخذته الحملة لاحقاً.

منحنى الأرقام: من مئات الآلاف إلى ستّةٍ وثلاثين مليوناً

ما يلفت في مسار الحملة ليس الرقم النهائي وحده بل سرعةُ بلوغه. فقد بدأت الحصيلة في الساعات الأولى عند مئات آلاف الشواكل، ثمّ بلغت الملايين في غضون أيّام، ثمّ تخطّت حاجز ستّةٍ وثلاثين مليون شيكل. وهذا المنحنى يدلّ على أنّ الاستجابة لم تكن دفعةً واحدة من متبرّعٍ كبير، بل تراكماً متّصلاً من مصادر متعدّدة. ويجدر التنبيه إلى طبيعة الرقم نفسه: هو مجموعُ ديونٍ جرى التنازل عنها، لا أموالٌ جُمعت ونُقلت من جيبٍ إلى جيب. أي أنّ ما تحقّق هو إعفاءُ مدينين من التزاماتٍ قائمة، وهذا شكلٌ من التضامن يختلف في آليّته عن التبرّع النقدي وإن تشابه معه في الأثر على المستفيد.

عبورٌ إلى أراضي 48

الوجه الثاني في الخبر جغرافيّ لا حسابيّ. فقد خرجت الحملة خلال الأيّام الماضية من إطارها الأوّل في الضفة الغربية وقطاع غزّة، وسُجِّلت فيها مساهماتٌ وتنازلات من أهالي أراضي 48. وأبرزُ ما ذُكر منها حالتان: رجلٌ وشقيقته من بلدة عارة تنازلا عن ديونٍ تتجاوز قيمتها سبعمئة ألف شيكل، ومبادرٌ من كفر قرع أعلن تنازله عن مئة ألف دولار. وإلى جانب هاتين الحالتين عشراتُ المبادرات الفردية التي أسقط أصحابُها ديوناً عن أشخاصٍ يمرّون بضائقة، بعضُهم أسقط المبلغ كلّه وبعضُهم بعضَه. وهذا العبور بين مناطق تفصلها حواجز إدارية وسياسية هو ما يمنح الحملة صفتها بوصفها حالة تضامنٍ عابرةٍ للمناطق.

من شارك ليسوا أصحاب الديون الكبيرة وحدهم

من السهل أن يُقرأ رقمٌ بحجم ستّةٍ وثلاثين مليوناً على أنّه حصيلةُ أصحاب الثروات، والمادّة المرصودة تقول غير ذلك. فقد شملت الاستجابة أصحاب محالّ وأعمالٍ صغيرة وأفراداً أعلنوا إسقاط مبالغ محدودة في ذاتها، لكنّها تمثّل بالنسبة إليهم مصدر دخلٍ أو جزءاً من رأس المال الذي يشتغلون به. وهذه النقطة تغيّر معنى الحصيلة: فالمبلغ الصغير الذي يتنازل عنه صاحبُ دكّان أثقلُ في ميزان صاحبه من مبلغٍ أكبر يتنازل عنه من لا يتأثّر بفقده. ومن هنا يصف صاحبُ المبادرة ما جرى بأنّه انتقالٌ من نطاقٍ محلّي ضيّق إلى فكرةٍ أوسع تشارك فيها فئاتٌ فلسطينية من الضفة والقطاع وأراضي 48.

ما يطلبه صاحب المبادرة، وحدودُ ما تلتزم به

يقول الريماوي إنّ غاية الحملة لا تقف عند إسقاط الديون، بل تتعدّاه إلى ترسيخ ثقافة التكافل والتخفيف عن المتعثّرين، وبخاصّةٍ مع تراجع مصادر الدخل وتراكم الالتزامات. وبناءً عليه وجّه دعوةً أوسع من دائرة الأفراد: إلى التجّار والشركات وأصحاب المصالح، وإلى مؤسّساتٍ اقتصادية وشركات اتّصالات، كي تنظر في أوضاع المتعثّرين وتبحث عن حلولٍ تخفّف أعباءهم، ومنها إعادة جدولة الديون بدل إسقاطها. غير أنّه يقرن الدعوة بقيدٍ يحدّ من إلزاميّتها: التنازل اختياريّ، ومرتبطٌ بقدرة صاحب الحقّ عليه. وهذا القيد هو الفارق بين حملةٍ أخلاقية تستنهض الطوعيّ وبين إجراءٍ تنظيميّ يُفرض على الدائنين — والحملة، بتصريح مطلقها، من النوع الأوّل.