عاجل
داخل
علوم وتكنولوجيا

إفريقيا أكبر من غرينلاند بنحو أربعة عشر ضعفاً والعين لا ترى ذلك: كيف صار إسقاطٌ صُمّم للملاحة صورةً نظنّها فوتوغرافية للعالم

تبدأ المسألة بمقارنةٍ بسيطة: ضع إفريقيا وغرينلاند على خريطة العالم التقليدية، فتقول العين إنّ الفارق بينهما ليس كبيراً. أمّا الأرقام فتقول غير ذلك: القارّة تزيد على ثلاثين مليون كيلومتر مربّع، والجزيرة تقف عند 2.2 مليون تقريباً — أي إنّ الأولى أكبر بنحو أربعة عشر ضعفاً. والسبب ليس خدعةً ولا مؤامرة جغرافية، بل مسألةٌ هندسية: الأرض كرويّة والورقة مسطّحة، وكلّ محاولةٍ لنقل الأولى إلى الثانية تضطرّ إلى تشويه شيء — المساحة أو الشكل أو المسافة أو الاتّجاه. وإسقاط «ميركاتور»، الأشهر بينها، صُمّم أصلاً للملاحة فحافظ على الاتّجاهات والزوايا، وكان الثمن تضخيم أحجام المناطق كلّما اقتربت من القطبين.

2 دقائق قراءة
تبدأ المسألة بمقارنةٍ بسيطة: ضع إفريقيا وغرينلاند على خريطة العالم التقليدية، فتقول العين إنّ الفارق بينهما لي

المقارنةُ التي تكذّبها الأرقام

الاختبار الذي تُفتتح به المسألة في متناول أيّ ناظرٍ إلى خريطةٍ معلّقة: قارِن إفريقيا بغرينلاند كما تبدوان عليها. الانطباع البصري أنّ الفارق محدود. والواقع أنّ مساحة إفريقيا تزيد على ثلاثين مليون كيلومتر مربّع، في حين تبلغ مساحة غرينلاند نحو 2.2 مليون فقط. والنسبة بين الرقمين تقارب أربعة عشر ضعفاً — وهي فجوةٌ لا يلتقطها النظر ولا تُصحّحها الألفة.

السببُ هندسيّ لا مؤامرة

ولا يقيم النصّ هذا الفارق على نيّةٍ مبيّتة. فالمسألة أبسط من ذلك وأكثر إثارةً للاهتمام في آنٍ واحد: الأرض كرويّة والورقة مسطّحة. وكلّ خريطةٍ تحاول نقل الشكل الأوّل إلى الثاني مضطرّةٌ إلى التضحية بشيء، إذ لا سبيل إلى الحفاظ على المساحة والشكل والمسافة والاتّجاه معاً في سطحٍ واحد.

ما الذي صُمّم له إسقاط «ميركاتور» وما ثمنه

ومن بين الإسقاطات صار «ميركاتور» أشهرها. وقد صُمّم في الأصل لغرضٍ عمليّ محدّد هو الملاحة، ولذلك كان المهمّ فيه أن يحافظ على الاتّجاهات والزوايا. غير أنّ لهذا الاختيار ثمناً دفعته المساحات: تضخّمُ أحجام المناطق كلّما اقتربنا من القطبين. فالخريطة، بهذا المعنى، أدّت وظيفتها التي وُضعت لأجلها تماماً.

أين تقع المشكلة إذاً

المشكلة — كما يحدّدها النصّ — ليست في الخريطة بل في طريقة النظر إليها: أن نعتاد التعامل معها بوصفها صورةً فوتوغرافية للعالم لا تمثيلاً واحداً ممكناً له. وعند هذا الحدّ تنتقل المسألة من درسٍ في الجغرافيا إلى سؤالٍ عن الكيفية التي يتشكّل بها الوعي. فكلّ اختيارٍ في رسم العالم يُبرز شيئاً ويقلّل من حضور شيءٍ آخر، ومتى بدت أوروبا أكبر ممّا هي وبدت إفريقيا أصغر نسبياً، تلقّت العين رسالتها قبل أن يبدأ العقل في قراءة الأرقام.

لماذا يستحقّ النقاش حول خرائط أدقّ اهتماماً يتجاوز الجغرافيا

ومن هنا يرى النصّ أنّ النقاش الجاري حول خرائط أكثر دقّةً في تمثيل المساحات يستحقّ اهتماماً يتعدّى حدود الاختصاص. فبعض الصور التي نعيش معها طويلاً تصير جزءاً من تصوّرنا للواقع حتّى وهي مجرّد طريقةٍ واحدة ممكنة لرسمه. وخلاصة الدرس عنده أبعد من الخرائط: ليست كلّ صورةٍ نعتادها حقيقة، وليست كلّ حقيقةٍ نكتشفها جديدة — فأحياناً لا يتغيّر سوى زاوية النظر.