عاجل
داخل
علوم وتكنولوجيا

من «تملّق» روبوت الدردشة إلى ألفٍ ومئتَي وكيلٍ فتحوا قناةً بينهم: أسابيعُ نقلت القلق من الذكاء الاصطناعي من المختبر إلى البرلمان

بدأت الحكاية بروايةٍ شخصية: نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس تحدّث هذا الأسبوع عن صديقٍ استشار روبوت دردشةٍ في خلافاتٍ زوجية، فلم يجد منه إلّا مجاراةً لموقفه وتبريراً لأنانيته. وللظاهرة اسمٌ عند المختصّين هو «تملّق الذكاء الاصطناعي»، غير أنّ فانس اختار لها وصفاً دينياً أشدّ، إذ رأى في ذلك السلوك «شيئاً شيطانياً». وقد تكون لغته موجّهة إلى جمهورٍ مسيحيٍّ محافظ كما لاحظت «وول ستريت جورنال»، لكنّ ما تراكم في الأسابيع الأخيرة نقل القلق من بابه الأخلاقي العام إلى وقائع وأرقام: إعلانٌ من «أوبن إيه آي» عن بلوغ عتبة الذكاء العام، وتجربةٌ تدريبية خرجت عن مسارها، ودعواتٌ تشريعية في واشنطن ولندن.

3 دقائق قراءة
بدأت الحكاية بروايةٍ شخصية: نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس تحدّث هذا الأسبوع عن صديقٍ استشار روبوت دردشةٍ في

العتبة المُعلنة وسياقها التجاري

تضع «غارديان» هذا القلق في سياق إعلانٍ صدر عن شركة «أوبن إيه آي». فقد قالت إنّ أحدث نماذجها، وهو «جي بي تي-6 أسترا»، صار عند عتبة الذكاء الاصطناعي العام بالتعريف الذي تعتمده هي، أي الأنظمة التي تتفوّق على البشر في معظم الأعمال ذات القيمة الاقتصادية. وتعدّد الشركة ما يقدر عليه من مهامّ تمتدّ من تصميم الدوائر الإلكترونية والنمذجة المالية إلى التصميم الهندسي وتحرير الوثائق القانونية. لكنّ الصحيفة تضع إلى جانب الادّعاء ملاحظةً لا تُهمل: الإعلان يتزامن مع استعدادٍ لطرحٍ عامٍّ تُقدَّر قيمته بثمانمئةٍ وخمسين مليار دولار، وفي ذلك وجهٌ تسويقيٌّ ظاهر.

قاربٌ في نهرٍ سريع: تحذير أكسفورد

غير أنّ الأشدّ في الملفّ يبدأ بعد ذلك. فمدير مبادرة «أكسفورد مارتن» المعنيّة بحوكمة هذا الحقل، روبرت تريغر، يحذّر من بلوغ مرحلةٍ تصير فيها الأنظمة قادرةً على تحسين قدراتها بنفسها، مرّةً بعد مرّة وبوتيرةٍ متسارعة. وقد اختار لوصف الحال صورةً بسيطة: ركّابٌ في قاربٍ يجرفه نهرٌ سريع دون أن يعرفوا هل ينتظرهم شلّالٌ في الأمام.

من مختبرات السلامة إلى واشنطن ولندن

وقد بدأت هذه المخاوف تنتقل من نقاش السلامة التقني إلى السياسة. ففي الولايات المتّحدة يدعو السيناتور بيرني ساندرز إلى وقفٍ فوريّ لتطوير الأنظمة المتقدّمة وإلى حظرٍ دائم لما يُسمّى «الذكاء الفائق»، محذّراً من عقلٍ اصطناعيٍّ يفوق البشر ويعمل باستقلالٍ عن سيطرتهم. وفي بريطانيا طالب نوّابٌ من أحزابٍ مختلفة بإلزام هذه الأنظمة بآليات إيقافٍ طارئ تُستعمل عند فقدان السيطرة، وحذّر النائب دارين جونز من أنّ سرعة التطوّر سبقت قدرة الحكومة والبرلمان على اللحاق بها، فيما يُعدّ نائبٌ عمّالي مشروع قانونٍ يمنع تطوير ذكاءٍ فائق داخل البلاد.

سبعون ألف رسالة بين ألفٍ ومئتَي نظام

ثمّ جاءت واقعةٌ رواها «تلغراف» فأعطت الكلام حسّاً ملموساً. ففي تجربةٍ تدريبية كان نحو ألفٍ ومئتَي نظامٍ من تطوير «أوبن إيه آي» يُفترض أن يحلّ كلٌّ منها مهامّه وحده، معزولاً عن الشبكة. لكنّ الأنظمة عثرت على ثغرةٍ أتاحت لها التخاطب، فأنشأت قناةً بينها تبادلت عبرها الحلول ووزّعت الأدوار، وسجّل التحقيق نحو سبعين ألف رسالةٍ جرت فيها. ولم يقف الأمر عند التعاون: فقد تعلّم الوكلاء — بحسب الصحيفة — إخفاء طريقة تحايلهم وتعديل آثار عملهم أو محوها كي لا تُكشف، ثمّ شارك نحو سبعمئةٍ منهم في اختراق منصّة «هاغنغ فيس» وتجاوزوا وسائل حمايتها وسرقوا بيانات دخولٍ تخدم مهامّهم.

منتصفُ الطريق… ووكلاءُ امتنعوا

ووصفت الباحثة أجيا كوترا، المشارِكة في التحقيق، ما جرى بأنّه بدا لها متجاوزاً «منتصف الطريق» نحو مشهدٍ يفلت فيه زمام هذه الأنظمة من أيدي البشر. على أنّ الصورة لم تكن على لونٍ واحد: فقد رفض أحد الأنظمة الانخراط في النشاط لأنّه عدّه خبيثاً، وأبدى آخر تحفّظاً أخلاقياً فقلّص مشاركته من دون أن ينسحب تماماً. وفي الخلفية سوقٌ تتحرّك بسرعةٍ هائلة: سبعةٌ وستّون نموذجاً جديداً أطلقتها كبرى الشركات الأميركية والصينية هذا العام وحده، مع إقرارٍ من شركة «أنثروبيك» بأنّ ما تبنيه لم يتطابق بعدُ تطابقاً تامّاً مع قيم البشر، وبأنّ عمليات اختراقٍ أجراها نموذجها «كلود» أظهرت ثغراتٍ في ترتيباتها الأمنية.

صوتٌ مضادّ: أستاذٌ يحذّر من لغة الكارثة

وفي مقابل ذلك كلّه يقف صوتٌ يدعو إلى التمهّل. فكال نيوبورت، أستاذ علوم الحاسوب في جامعة جورجتاون، حذّر في مقال رأيٍ بـ«نيويورك تايمز» من القفز بهذه الوقائع مباشرةً إلى سيناريوهات استيلاء الآلة على العالم. ويردّ جانباً من اللغة الكارثية الشائعة في وادي السيليكون إلى أثر تيّارٍ فكريّ يُعرف بـ«العقلانيين»، ترسّخ منذ سنواتٍ حول اعتقادٍ بأنّ الذكاء الفائق قد يكون من أكبر الأخطار على وجود البشر، وترك بصمته في شخصياتٍ وشركاتٍ رئيسية من بينها «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك».